الإثنين 6 يوليو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: كورنيش أبوظبي من مقارعة الطبيعة إلى مشعل الاقتصاد

د. نزار قبيلات
6 يوليو 2026 18:29

أنا حبيس الأمكنة الأليفة على حدّ وصف «غاستوف باشلا»، الأمكنة التي تصحبك وتؤويك فلا تخذلك، فقد كنتُ وكلما سألت أحدهم مِمّن يسكنون مدينة أبوظبي أين ستذهب بعد العصر؟ فإن أكثر الإجابات المحتملة تشير «على الكورنيش»، فكورنيش المدينة ليس للصخب والمرح كما يُظن، بل للتّأمل والإمعان في فلسفة الغروب وفي الإنصات الممعن لحوار البحر والشاطئ والمدينة، فرغم امتداده القصير إلا أنه صار للظبيانيين صديقاً وفياً، فهم يعرفون بدقة متى يزورونه وما يوشوشون له.
على الصعيد الشخصي، قابلت العديد من أصدقاء الكورنيش، منهم من عاصر المدينة ساعة تأسيسها مع تشكل ملامح الكورنيش، ومع هذا الاستذكار لا يغيب عن سرد أولائك كيف كان الكورنيش حارساً وصديقاً للجميع، ثم موئلاً للتطور والنمو الاقتصادي، فهو في مخيلتهم بدايةً ساحة للتصالح مع النّفس لكن تحت وصايته، فلو أردنا أن نتمثل الكورنيش لوجدناه وتراً موسيقياً، يشتد حاملاً أصوات الأمواج، ومعها ما بقي من أصوات الصيادين والنواخذة التي ما زالت في حِفظ ذاكرته، فهو صلة الوصل بين قصر الوطن على اليسار وبين متحف اللوفر- أبوظبي ومتحف الفنون ومتحف التاريخ على اليمين، ومن الخلف تسنده حدائق عامة خضراء، تحتضن العائدين إلى عطلهم وإجازاتهم.
لطالما احتضن شاطئ الكورنيش الصابرين والمنتظرين والمغتربين، ولطالما أَسندوا رؤوسهم على كتفه، ساهين في أفق البحر، منتظرين صيادين غادروا منذ شهور، أو فرجاً من ربّ السماء، ففي الماضي، كان الكورنيش مقعداً يستريح إليه أرباب السفن والقوارب، فهو يعرف لهفة الانتظار في عيون الصغار والأسر، الكورنيش يا سادة صفحة ناصعة من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لأبوظبي، وسادة الغروب، قبل أن يستحيل مشروع أبوظبي الأول، شاهداً على الاتحاد والتطور والأبراج والشوارع والمكاتب الحكومية والعالمية التي أخذت تطمئن وتقر فيه، ذلك بعد أن كان الكورنيش حارساً أميناً من غضب البحر وأمواجه الهادرة، كان الكورنيش وكما يذكر المؤرخون والرواة سوراً منيعاً ليستحيل اليوم مشروعاً تنموياً وسياحياً ناجحاً.
ورغم انشغالات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بشؤون الاتحاد وإرهاصاته في سبعينيات القرن الماضي، أبصر مشروع الكورنيش النّور ليكون باكورة النماء، وهو ما وثّقته صور الرّحالة والمؤرخين، فقد غدا نواة التطور الذي تشهده المدينة اليوم، ومنارةً للتطور العمراني والاقتصادي فيها، وكذا رمزاً لقدرتها على الجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل، فمن لا يعرف مقهى الكورنيش ومطاعمه ومسابحه وممراته وحدائقه الغنّاء؟... ففي نهاية كل عام يصبح الكورنيش شعلة الفرح التي تضيء الشطآن والأبراج، فقد كان الجواب يتردد دائماً في أحاديثنا، نلتقي على الكورنيش.
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©