الإثنين 6 يوليو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

الإبداع والتقنية.. شراكة تصنع الوعي

الإبداع والتقنية.. شراكة تصنع الوعي
6 يوليو 2026 19:45

محمد عبدالسميع

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتغير أنماط التلقي، يواجه الأدب والفن التشكيلي تحديات متجددة تتعلق بالحفاظ على العمق الإبداعي، وتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ دورهما في بناء الوعي.
وبين سرعة المحتوى الرقمي، وتراجع القراءة المتأنية، واتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال حول كيفية توظيف هذه المتغيرات بما يخدم الإبداع، ويعزز حضوره في المجتمع.
ترى الأديبة والشاعرة نايلة الأحبابي أن أبرز التحديات التي تواجه الإبداع الأدبي والفن التشكيلي اليوم تتمثل في تسارع المتغيرات الرقمية، وتزاحم المحتوى السريع الذي قد يطغى على الأعمال العميقة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى دعم المواهب الشابة وتمكينها من الوصول إلى المنصات الثقافية التي تبرز إبداعاتها.
وأضافت أن المبدع يواجه أيضاً تحدي الحفاظ على أصالته وهويته الثقافية في ظل التأثيرات العالمية المتسارعة، فضلاً عن ضرورة تحويل الفن والأدب من مجرد منتج جمالي إلى رسالة إنسانية مؤثرة في المجتمع.
وأضافت الأحبابي أن معركة بناء الوعي لا تُخاض بالمعرفة وحدها، بل بالجمال أيضاً؛ فقصيدة واحدة قد توقظ فكرة، ولوحة واحدة قد تخلّد قيمة، وعمل إبداعي صادق قد يرسخ في النفوس ما تعجز عنه الخطب الطويلة، ومن هنا يصبح الأدب والفن شريكين أساسيين في بناء وعي الإنسان، القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، والمتمسك بهويته، والمنفتح في الوقت ذاته على آفاق الإبداع والحضارة.

تحديات جديدة
ورأت الفنانة التشكيلية وداد كندي أن التطورات التقنية المتسارعة، وفي مقدمتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تفرض تحديات جديدة أمام الفن التشكيلي، إذ تستدعي الحفاظ على البعد الإنساني الذي يميز العمل الإبداعي. وأوضحت أن الاعتماد المفرط على الأدوات التقنية قد يفضي إلى إنتاج أعمال تفتقر إلى الخصوصية والعمق الوجداني، وهو ما يجعل من الضروري الحفاظ على بصمة الفنان، بوصفها العنصر الذي يمنح العمل قيمته الفنية والإنسانية.
وأضافت أن الفن ليس مجرد ألوان تُسكب على القماش، بل هو تجربة إنسانية متكاملة تمتزج فيها الفكرة بالمشاعر والخبرة، ليصبح العمل الفني حكايةً تُروى بالريشة، وجسراً يربط المتلقي بعالم الفنان ورؤيته.

أداة متقدمة
واعتبرت الباحثة الإماراتية سارة الشامسي أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة متقدمة يمكن أن تدعم الإبداع، وتفتح أمام الأدباء والفنانين آفاقاً جديدة للتجريب والابتكار، مع بقاء التجربة الإنسانية مصدر القيمة الفكرية والجمالية التي تمنح الأعمال الأدبية والفنية خصوصيتها.
ورأت أن معركة بناء الوعي اليوم تتمحور حول تعزيز المحتوى المعرفي والإبداعي القادر على ترسيخ القيم وتنمية الوجدان، مؤكدة أن التقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، توفر إمكانات واسعة لإنتاج المحتوى وتطويره، إلى جانب إتاحة فرص أكبر للوصول إلى المعرفة والثقافة.
وقالت الشامسي إن توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث، والتحليل، وتنظيم الأفكار، واستكشاف الاحتمالات البصرية واللغوية، يمكن أن يعزّز كفاءة المبدعين، ويدعم عملية الإنتاج الأدبي والفني، ويفتح مجالات جديدة للتعبير والابتكار، بما يسهم في تطوير التجربة الإبداعية وإثرائها.
وأضافت أنه في ظل التطورات الرقمية المتسارعة، تبرز مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية في تشجيع القراءة النقدية، ودعم الفنون والآداب، وإتاحة المنصات التي تمنح المبدعين فرصاً أوسع للوصول إلى الجمهور، بما يسهم في تعزيز الهوية الثقافية، وإبراز الأعمال التي تعكس ذاكرة المكان، وقيم المجتمع، وخصوصية اللغة.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في خدمة الثقافة، من خلال الإسهام في رقمنة التراث، وحفظ المخطوطات، وترجمة الأعمال الأدبية، وإتاحة الفنون العربية أمام جمهور أوسع، إلى جانب توفير أدوات تعليمية تساعد الأجيال الجديدة على التفاعل مع الأدب والفن واستكشافهما، مؤكدة أن المستقبل يقوم على التكامل بين التقنية والإبداع الإنساني، بما يجعل التكنولوجيا رافداً للإنتاج الثقافي.

بناء الوعي
وقالت الأكاديمية والباحثة الدكتورة عائشة الغيص إن التحولات الرقمية المتسارعة جعلت معركة بناء الوعي أكثر أهمية، وهو ما يضاعف مسؤولية الأدباء والفنانين، وأوضحت أن أبرز التحديات تتمثل في هيمنة المحتوى السريع وانتشاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإقبال على القراءة المتأنية والتأمل الفني العميق، فضلاً عن المنافسة الشديدة التي تفرضها المنصات الرقمية والمحتوى السريع.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، رأت الغيص أنها تفتح نقاشاً حول الأصالة والملكية الفكرية، ودور الإنسان المبدع في ظل قدرة التقنية على إنتاج النصوص والصور، وأضافت أن التحديات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف النشر والإنتاج الفني، وصعوبة تسويق الأعمال الإبداعية، بما يضمن استدامة المشاريع الثقافية، تمثل تحديات إضافية أمام المبدعين.

نشر الثقافة
أكد الأديب والإعلامي إبراهيم السواعير أن الإعلام الثقافي يرتبط ارتباطاً وثيقاً برسالة الوطن وقيمه وهويته، بما يعزّز دوره في ترسيخ الوعي ونشر الثقافة، مشيراً إلى أهمية الحفاظ على مكانة الأدب والفنون بوصفها حاملة للمعرفة والرسائل الإنسانية.
ورأى أن الذكاء الاصطناعي أصبح شريكاً في العملية الإبداعية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الكتّاب والفنانين، مع ضرورة صون الحقوق الفكرية والإبداعية، والاستفادة من إمكاناته في إنتاج الأفلام الوثائقية، وتطوير المحتوى الثقافي، ودعم التجارب الفنية. وأشار إلى أن الفن الرقمي أصبح أحد المسارات المعترف بها في الفنون التشكيلية، وأن المؤتمرات والفعاليات الثقافية تواصل مناقشة أثر التقنيات الحديثة في تطوير الإبداع الأدبي والفني.
وأشار السواعير إلى أن المهرجانات الفنية في الإمارات، ومنها «آرت أبوظبي» و«آرت دبي» وفعاليات الفنون في الشارقة، أسهمت في ترسيخ حضور الفن الرقمي، مؤكداً أن المستقبل يقوم على التكامل بين الإبداع الإنساني والتقنيات الحديثة، بما يعزّز جودة الإنتاج الثقافي ويوسع آفاق الابتكار.

قراءة الواقع
ورأى الشاعر أشرف عزمي أن الإبداع الأدبي والفن التشكيلي ليسا مجرد وسيلتين للتعبير عن الجمال، بل هما من أهم أدوات قراءة الواقع وإعادة اكتشافه، موضحاً أن من أبرز التحديات اليوم حالة التشوش الثقافي الناتجة عن التدفق الهائل للمعلومات، وسيطرة النزعة الاستهلاكية التي تمنح الأولوية للمنتج السريع على حساب القيمة الفنية والفكرية، فضلاً عن التحدي المتمثل في حفاظ المبدع على أصالته ورؤيته الخاصة وسط انتشار التقنيات الحديثة والسعي وراء الانتشار.

التراجع القرائي
ورأى الناقد والأديب الدكتور أحمد عقيلي أن الإبداع الأدبي والفن التشكيلي يشكلان ثنائية ثقافية متكاملة، تسهم في تشكيل وعي الإنسان والمجتمع، إذ لا يقتصر دورهما على التعبير الجمالي أو الترفيه، بل يمتد إلى نقل الأفكار والقيم، وإثارة التساؤلات حول القضايا الإنسانية والاجتماعية والثقافية. وأضاف أن الكلمة والصورة تفتحان آفاقاً جديدة للفهم والتأمل، وتسهمان في بناء شخصية أكثر وعياً وقدرة على التفكير النقدي.
وأوضح أن هذا الدور يكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث تتدفق المعلومات بكثافة، وتتداخل الحقائق مع الآراء والشائعات، ما يجعل الأدب والفن وسيلتين فعالتين لمساعدة المجتمع على فهم الواقع وتحليله، بعيداً عن السطحية، عبر تقديم رؤى إنسانية عميقة تعزز القدرة على التمييز وإصدار الأحكام السليمة.
وأشار إلى أن الإبداع الأدبي والفن التشكيلي يواجهان تحديات عديدة، في مقدمتها هيمنة الثقافة الآنية التي تفضل الأعمال السريعة على الإنتاج الجاد، إلى جانب تأثير وسائل التواصل الحديثة، التي أسهمت في تراجع القراءة والتلقي المتأني للأعمال الأدبية والفنية.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©