محمد عبد السميع (الشارقة)
بانطلاق الدورة الثانية عشرة من «ملتقى الشارقة للخط العربي» في الشارقة، يحضر هذا العنصر المهمّ في هويّتنا وثقافتنا العربيّة، لقراءة جمالياته، والتجديد الحاصل فيه، ضمن منطلقات الحفاظ على جوهره ورونقه؛ وهو ما يتيح للشباب الإماراتي والعربي، وللمحبين للخطّ، أن يعملوا على استخدامه وتمرين أيديهم على الوفاء له، فيقرؤوا هذه الطاقة القويّة فيه، والتي تلامس الروح والوجدان، خاصةً في العصر الرقمي، الذي يقل فيه استخدام اليد والمواهب الذاتيّة لصالح الآلة أو محركات البحث.
بيت الخبرة والثقافة
وبعد اثنتي عشرة دورة من هذا الملتقى، الذي يحظى برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وينطلق في 7 أكتوبر بساحة الخطّ، يتأكّد دور المؤسسة الثقافيّة كبيت خبرة لهذا النوع من الفنون، الذي يستمر فترةً كافيةً للحراك الثقافي والفكري، من خلال التدارس والندوات والورش والقراءات المختلفة والتجارب، بل والتقنيات الحديثة التي تعمل على ازدهار الخطّ وتصدّره ثقافتنا، وما يحفظه للحرف العربي من مكانة ورونقٍ وتجليات.
فلسفة الشعار والتكوين
وقد حمل شعار الملتقى لهذا العام مفردة «ميزان»؛ لما يحمله الميزان من انسجام بمجرّد سماع الكلمة، فكيف حين يكون الشعار مبنيًّا على علاقات بصريّة وفنيّة، ودراسات متضمَّنة في السنوات الطويلة للتدرّب على الخطّ والإبداع فيه، في البنية والتكوين، والكتلة والفراغ؟ ومن حسن التنظيم في كلّ دورة من دورات الملتقى أنّ الشعار «اللوغو» يمنح الأعمال المشاركة المسار الذي تسير فيه، بحيث يقف الزائر -حتى لو كان هاويًا أو محبًّا للخطّ العربيّ من دون تدريب أو خبرة سابقة- مندهشًا أو متأملًا لكلّ هذا التكوين؛ وهو ما يدفعه حتمًا (خاصةً الشباب الجدد) لتعلّمه والفرح به بعد اكتمال لوحة فنيّة أو خزفيّة تسير سير الرواد أصحاب المدارس الفنيّة من العرب والأجانب، وتدخل قلوب المعجبين بتاج الثقافة العربية، وهو الخطّ الحامل لحضورنا الحضاريّ وفكرنا وفلسفتنا وعوالم الإبداع والجمال لدينا عبر العصور.

احتفاء بالمبدعين المكرمين
وفي نظرة على فعاليات الملتقى ومجرياته، نجد أنّه يشتمل على بستان متنوع من الثمار الإبداعيّة ومحطات التكريم، ولجان الفرز والتحكيم، بما يجعله عنصر جذب حقيقي للعائلة الإماراتية والعربية والأجانب؛ إذ يكرّم الملتقى هذا العام ثلاثةً من المبدعين أصحاب التجربة الفنيّة في الخطّ، وهم الفنانون: خليفة الشيمي من مصر، صاحب معرض «صدى الحروف»، وبلعيد حميدي من المغرب، صاحب معرض «أندلسيات المغرب الأقصى»، وعلي الحمادي من الإمارات، صاحب معرض «قناديل»، وهي أسماء استحقّت التكريم كما استحقّ من قبلها، ويستحقّ من بعدها في دورات «ملتقى الخط العربي»، خصوصاً وقد جمع هؤلاء المكرّمون بين الموهبة والشغف بالخطّ والفنّ التشكيلي، والمنهج المتبع في انتشار الخطّ العربي لدى بلدان أجنبيّة (كما في آسيا والصين)، والجانب الأكاديمي والدراسة في استشراف آفاقه والتفتيش عن مساحات جديدة له من الإبداع.
الشغف بالجمال والزخرفة
ودائماً ما نقول: إنّ الخطّ العربيّ لا يمكن أن يكون محايدًا أمام عناصر الجمال والزخرفة والرونق الذي لا يفقده جماله أو ظهوره وهويّته، كما في معرض الفنان الإماراتي المكرّم علي الحمادي «قناديل»، الذي يستلهم صورة القنديل أو المشكاة الملوّنة والزخارف النباتيّة والهندسيّة، بروعة الخطّ الكوفي والبنى الهندسيّة والتراكيب المتداخلة والمتناظرة؛ وهو مثالٌ على نماذج عديدة سيلمسها المهتمّ ويقف قبالتها الفنان والمتمرّس المحترف والهاوي ومحبّ الجمال بوجهٍ عام.
خبرات متراكمة ولجان متخصصة
وفي دورة الملتقى 2026، استقطبت الشارقة الفنانين للعمل ضمن شعاره «ميزان»، من خلال خبرة الشارقة أولًا عبر مؤسساتها الفنيّة الموجودة، ومن خلال أيضًا لجنة للفرز مكوّنة من فنانين أصحاب باع وتجربة في هذا المجال، ولهم حضورهم وذائقتهم الفنيّة في قراءة الأعمال، وجمعهم ما بين الهندسة وتعليم الخطّ والزخرفة والفن التشكيلي الأصيل والمعاصر، والتخصص في الحروفيّات، وعلوم القرآن الكريم والأدب العربي، والتجربة الثقافيّة والفنيّة، وخبرة الملتقيات المتخصصة، والحصول على جوائز مهمّة، وقراءة التراث العربي والإسلامي، والإمكانات التصويرية والبنى البصريّة للحرف العربي.

لجنة التحكيم وحوار الأصالة والمعاصرة
كما اختيرت لجنة التحكيم في دورة الملتقى لهذا العام من مناطق متنوعة، تضم الفنان صباح أربيلي من المملكة المتحدة، والفنان محفوظ البوعيشي من ليبيا، والفنان فرهاد قورلو من تركيا، والفنان محمد أبا عبيدة من المغرب، ود. هند الصوفي من لبنان. وبقراءة السير الفنية والاشتهار، تتبيّن محاولتهم بناء جسور فنية ما بين الأصالة والمعاصرة، وكذلك نلمس قوّة التجربة والعمل عليها في ملتقيات شهيرة في العالم، وأخذ هذه التجربة عن فنانين كبار، والحضور الكبير وقطف الجوائز في مسابقات الخطّ الدوليّة، والمواءمة ما بين الشكل والمضمون في إبداع الخطّ، إضافة إلى دراسة علوم الفنّ وارتباطها بالخطّ وهويته وصورته، وقراءة الفنون الإسلاميّة المرتبطة أيضًا بهذا الخطّ.
المعرض العام وتلاقي الأجيال
ويشتمل المعرض العام للملتقى في دورته الثانية عشرة على مشاركات إماراتية وخليجية وعربيّة وأجنبيّة، تقدّم خلال فترة الملتقى أعمالًا لأجيال فنية مختلفة، باستخدام تقنيات متنوعة، ومعالجات تمزج ما بين تطلّع الشباب وخبرة الرواد، خصوصًا حين يبرز اللون عنصرًا جاذبًا لمتلقي هذه الأعمال، فتندمج الرسومات بالخطّ الأصيل الذي يتخلل الإبداعات، في رحلة عبر كلّ أنواع الخطوط والحروفيّات بطريقة تلقائيّة، لدرجة أنّ جمهور الملتقى سيشعرون بجمال الحرف العربي حين يكون ليّنًا ومطواعًا في أعمال تشكيليّة تبدو لوحةً فنيّةً رائعة للاقتناء في البيوت والمتاحف والفنادق، وتصلح وبامتياز للتعبير عن ذائقة المتلقي وحرصه على إظهار هذه الذائقة من خلال اقتناء لوحات الخطّ المتضمَّنة في هذه الفنون.
حضور الموروث والآفاق العالمية
والمتصفّح لأعمال المعرض يلمس أيضًا كيف فطن الشباب العربي والمسلم إلى الموروث الإسلامي، فضمّنوه أعمالهم بنوعٍ من الحفاوة، كما في أعمال إندونيسيّة عملت على الخطّ الكلاسيكي في إبداع وثائق ومعروضات قديمة، مثل خطبة الوداع الشهيرة في تاريخنا الإسلاميّ، إذ جاء تعلّم الخطّ العربي والإبداع فيه بعد دراسة لهؤلاء الفنانين في علوم القرآن واللغة العربيّة وعلوم ذات علاقة تكللت بالخطّ كمرحلة متممة لهذه العلوم. كما برز الدعاء عنصراً أصيلاً في الأعمال المشاركة، بالإضافة إلى انفتاح بعض المشاركين الأجانب على مدارس عالميّة في الخطّ، كما في لوحات قرآنيّة لفنانين من الصين تتلمذوا على مدارس تركيّة في الخطّ العربي، أو اجتزاء احتفالي لصفات الخالق عزّ وجلّ التي تمّ العمل عليها بالخطّ واللون معًا كلوحات فنية جماليّة، كما ذهب مشاركون إلى صفحات المصحف بكلّ جمال اللون والخطوط والتماهي المثير للنظر والتدبّر، وكذلك برزت الحكم والأمثال، والسور، والآيات القرآنيّة أحيانًا بخطوط اتخذت الشكل الدائري اللافت... وكلّ ذلك عيّنات على اشتغالات ستكون مصدر ثراء فكري وجمالي للمعرض.
معارض موازية ورؤى متنوعة
ويشتمل الملتقى على معرض «الحلية الشريفة» لعشرة فنانين عرب وأجانب، برؤية فنيّة متجددة، وخطوط عديدة، أكّدت الثراء الذي يقدّمه الخطّ العربي في مدارس متنوعة، ما ينعكس جمالًا ودهشةً أمام النصّ كحوار بصري. أمّا معرض «ميزان» فيقدّم عددًا من التجارب الإماراتية والعربية التي حافظت على التوازن وترتيب العلاقة بين الحرف والكلمة والفراغ، كشعار تمّ اعتماده لدورة ملتقى الخطّ لهذا العام.
كما يقرأ معرض «الرواد» أعمال سبعة خطاطين عرب وأجانب احتفوا بالخطّ العربي الأصيل، وفق رؤى وأساليب متنوعة ومتكاملة ثريّة، كصياغة جمالية، كما في كتابة الأحاديث الشريفة، والآيات القرآنيّة، والشعر العربي، والحكم والأمثال.
تجارب رقمية ومساحات تصميمية
وفي «بيت الحكمة» بالشارقة، يكون الزوّار على موعد مع معرض «بميزان: من النقطة إلى المعنى»، كمعنى لحالة الانسجام في شعار المعرض، حيث يستضيف المعرض رحلة الحرف العربي من وحدته الأولى إلى اكتماله البصريّ والدلالي، حين تكون النقطة أصلًا للقياس، والحرف بناءً قائماً على التناسب، والكلمة فضاءً للتوازن بين الشكل والفراغ، وصولاً إلى الجملة التي يلتقي فيها الجمال بالمعنى. ويشتمل الملتقى أيضاً على معرض «في حسبان»، المقام في «1971- مركز للتصاميم»، بمشاركة فنانين إماراتيين وأجانب، كما في لوحات وتراكيب فنيّة ومقاعد خشبيّة بالخطّ.
الأسرة وقيم المجتمع
أمّا معرض «أسرتي جنّتي»، والذي يقام في «جمعيّة الإمارات لفنّ الخطّ العربي والزخرفة الإسلاميّة»، احتفاءً بمكانة الأسرة وأهميتها في بناء المجتمع وتماسكه ورقيّه وتعزيز هويّته، لفنانين إماراتيين، فقد تنوّعت أعماله ما بين كتابة الأحاديث الشريفة، والآيات القرآنيّة، وأقوال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في أساس المجتمع وصلاحه.
تحولات الحرف والجسور الفنية
وفي معرض «بينهما» للفنانة اللبنانية ندى عبدالله، تجسّد الأعمال طوف الحرف بين الأرض والفضاء، كناية عن منحوتة تتعمق في تخيّل الحرف العربي كيانًا «ماديًّا» و«مساحيًّا» يطفو في فضاء سلسلة متصلة من التحولات.
كما تقدّم «جمعية الإمارات للفنون التشكيلية» معرض الخطّ العربي الخاص بها تحت عنوان «مداد الميزان»، من خلال خمسة خطاطين ما بين أساليب الخط الكلاسيكي والمعاصر، كانعكاس لقدرة الخطّ العربي على التجدد، وإبراز طاقاته الجمالية والفكرية.
جماليات المدن والرؤية البصرية
وفي معرض «صور من بلادي الجميلة» الذي يقام في «متحف الشارقة للفنون»، سنكون مع 36 فنانًا نقلوا صور بلادهم في نوع من تنوع الرؤى والأساليب في تصوير جمال المدن العربية ومعالمها وتراثها، من خلال الرمال، والمدن، والمتاحف.
أمّا معرض «لغة الحرف والعين»، المقام في «متحف الشارقة للفنون»، فهو تجربة فنية وثقافية تستكشف العلاقة ما بين الحرف العربي والرؤية البصرية، وتبحث في انتقال الحرف من وسيلة للكتابة والتواصل إلى عنصر جمالي نابض بالأبعاد الفكرية والروحية والفنية.
الحوار الفكري والندوات الدولية
وتقام في المعرض ندوة دولية حول «الخط العربي بين الأصالة والريادة العالمية»، يشارك فيها فنانون عرب وأجانب، وتبحث في محاور الجمال التشكيلي للخط العربي، والمحتوى الأدبي للشعر الأندلسي، والهوية البصرية والخط العربي كبنية معرفية وجماليّة، وأثر الحرف العربي في تجارب التجريد الغنائي وحوار الثقافات البصرية.