إعداد- شاكر نوري
مخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه، ولذا نسلط الضوء على المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة في عدد من مكتبات العالم حالياً.
اعتاد المستشرقون والمؤرخون أن يقدموا لملوك فرنسا هدايا على شكل مخطوطات، مزينة بالنقوش والزخارف والعلوم، باعتبارها كنزاً معرفياً وفناً جمالياً في آن واحد. وكان الملك فرانسوا الأول 1544 يحلو له أن يتجوّل في قصره، ويستمتع بالنظر إلى كتبه المجلدة والمذهبة، ومن بينها كان يعشق المخطوطات العربية والإسلامية بشكل خاص، فهو يمتلك منها ستاً، كان قد وضعها في منزلة مبجلة من مكتبته الخاصة. وهكذا كان معظم ملوك فرنسا يحبون المخطوطات العربية والإسلامية باعتبارها تجسّد لهم نكهة التاريخ والحضارة، لأمة عريقة كالأمة العربية والإسلامية التي برعت في مجالات العلم والمعرفة والابتكار.
وقد أدى ذلك الشغف بالمخطوطات العربية والإسلامية إلى درجة دفعت الحكّام الفرنسيين أمثال ريشيليو ومازارين وكولبير إلى إطلاق رحلات استكشافية نحو الشرق من أجل صيد هذه الكنوز النفيسة.
وفي البدء، أقدمت المكتبة الملكية على شراء مقتنيات جيلبير غولمين «1585 - 1665» التي كانت تضمّ ما يزيد على 300 مخطوط شرقي، وجلب الدومينيكاني الألماني يوهان ميكائيل فانسليب «1635 - 1679»، مبعوث كولبير إلى الشرق، نحو 630 مخطوطة شرقية، منها 430 باللغة العربية، تم شراؤها من نيقوسيا وحلب والقاهرة.
كما تم شراء مقتنيات الموظف القنصلي لفرنسا بمصر أصلان دو شورفي «1772 - 1822»، وقد وصلت إلى نحو 1500 مخطوطة، سنة 1833. ولكن مرحلة شراء المقتنيات أشرفت على الانتهاء عندما اعتلى نابليون سدة الحكم، وعمل على اقتناء المخطوطات العربية والإسلامية عن طريق سلبها ونهبها والإتيان بها إلى فرنسا، مستغلاً سلطته المهيمنة وجهل الناس آنذاك، إلى أن بلغ هذا الاستحواذ بالقوة نحو 8500 مخطوطة، تملك منها المكتبة الوطنية نحو 7200 مخطوط، وحوالي 45 ألف كتاب وأكثر من 3 آلاف عنوان دورية.
وهناك 21 ألف مخطوط، من بينها باللغات العربية والفارسية والتركية، وأخرى باللغات الأمازيغية والكردية والماليزية والبنجابية والسندية والأوردية.
ولم تتردد المكتبة الوطنية في باريس في إنفاق الملايين من أجل اقتناء وشراء المخطوطات العربية والإسلامية، بل هي تتبارى مع البلدان الأخرى وتتباهى افتخاراً بهذه المقتيات النفيسة، فهي على سبيل المثال، تمتلك مخطوطات تتألف من خمسة آلاف صفحة من مصاحف قديمة جدّاً، يعود تاريخها إلى القرنين الثاني والخامس للهجرة، وأغلبها مكتوب على رق الغزال بالخط الكوفي، وكذلك مخطوط آخر للقرآن الكريم يتكون من 46 رقعة تبدأ من سورة آل عمران إلى آخر سورة الماعون، وهذه المخطوطة بالخط الكوفي وتعود لبداية العصر العباسي. وهي محفوظة في واجهات زجاجية غاية في الأناقة والصلابة، وتحفظ في درجة حرارة معينة للحفاظ عليها.
ومن نوادر مقتنياتها أيضاً نحو عشرة مؤلفات للترمذي تعود إلى القرن الخامس الهجري، ونسخة من كتاب «العلل والأمراض» لجالينوس الذي نقله إلى العربية حنين بن إسحاق عام 232 هـ.
وكذلك مخطوط «معراج نامه» و«خطوطة «الأورغانون» وثلاثة مخطوطات من «مقامات الحريري»، من نسخ يحيى بن محمود الواسطي في عام 634 هجرية. إضافة إلى نسخة فريدة من كتاب «كليلة ودمنة» التي تعود إلى العصر التيموري. ومخطوطة «الأورغانون»، تحوي الكتب التسعة في علم المنطق الأرسطي «بما فيها فن الشعر والخطابة» بالعربية، ومخطوطة «قوانين» فرج الله الاخميمي، وهي نسخة فريدة ووحيدة إلى الآن.
وتوفر المكتبة الوطنية الفرنسية إصدارات منتظمة عن فهارس وكتالوجات للمخطوطات والكتب والخرائط والنقود والميداليات التي تتعلق بالعالم العربي والإسلامي. وعلاقة فرنسا بالثقافة العربية قديمة ومعروفة، حيث تم إنشاء أقدم مجموعة تعتني بهذا المجال مرتبطة بالثقافة العربية والإسلامية، وهي مدرسة اللغات الشرقية منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، واشتهرت بالمجلدات المكتوبة بخط اليد الموجودة في مدرسة لويس لوغراند، بالإضافة إلى بعض المجلدات من مدرسة إسطنبول التي تمت إعادتها إلى باريس قبل عام 1830.
وقامت مدرسة اللغات الشرقية الحديثة التي تم إنشاؤها عام 1795، بتطوير مجموعة وثائقية خاصة بها بفضل جهود سكرتيرها جان جاك إيمانويل سديلو «1777 - 1832»، واستفادت من عمليات الاستحواذ المنهجية لجوزيف ماري جوانين «1783 - 1844».
واندمجت المؤسستان، وانتقلت إلى شارع ليل في باريس، بإدارة المستشرق شارل شيفر (1820 - 1898». ومنذ ذلك الحين، تم إثراء مجموعة المخطوطات بالمشتريات المنتظمة حتى الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1994، دمجت المكتبة الوطنية مع المكتبة الفرنسية حديثة العهد، لتصبح كياناً موحداً باسم المكتبة الوطنية الفرنسية.
وتوفر المكتبة الوطنية الفرنسية المخطوطات والكتب العربية عن طريق المكتبة الإلكترونية -كاليكا- وهي كتب مصورة، ومفهرسة باللغتين العربية واللاتينية.
كما أن المكتبة الوطنية الفرنسية تحضر على الدوام في المزادات العلنية لاقتناء وشراء المخطوطات العربية والإسلامية في جميع أنحاء العالم. ومن المعروف أن هذه المكتبة العملاقة استحوذت على المخطوطات والكتب الشرقية من الأديرة، وقد وصل عددها إلى نحو 350 مخطوطة، ومعظمها جاء من دير سان جيرمان دي بري، وعملت لها فهارس خاصة. ولا تعرض المكتبة المخطوطات العربية والإسلامية من أجل الزينة، بل لأنها ذات فائدة كبيرة للباحثين والعلماء والمفكرين، إذ تتميّز عملية البحث بالسهولة بفضل كتالوج «كالاميس»، وهو فهرس جماعي للمخطوطات ومشروع مشترك بين الجامعات والمكتبة الوطنية والأرشيف.
وتحتوي أيضاً على مخطوطات تم نسخها من بلدان المغرب العربي بين القرنين السابع عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، وجميعها متوافرة على الإنترنت، ومصنّفة باللغة الفرنسية: «قسم المخطوطات. عربي».
ويوجد عدد آخر من المخطوطات العربية والإسلامية في مراكز البحث الأخرى، مثل: معهد فرنسا، ومتحف التاريخ الطبيعي ومعهد اللغات الشرقية. ويكمن توفيرها بصيغة الـ«بي. دي. أف.»، إضافة إلى نسخ ميكروفيلم. أمّا مدينة نيس الفرنسية، فلديها مجموعة من المخطوطات العربية، من أبرزها «أخبار أبي نواس» التي يعود تاريخها للعام 493 هجرية. وبذلك تصبح فرنسا من أهم أماكن المخطوطات العربية والإسلامية والكتب الشرقية في العالم.
المصادر:
* الكتابدار alkitabdar.com/libraries/bnf
*موقع المكتبة الوطنية الفرنسية bnf