السبت 30 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

الجدة.. «الأم المنسية»

الجدة.. «الأم المنسية»
12 فبراير 2021 00:24

خولة علي (دبي)

الجدة ذلك الحضن الدافئ الذي استقينا منه الحنان، ووجدنا فيه الأمان، وتعلمنا منها أبجدية القيم والعادات، فلا يمكن أن ننسى الفرحة والبهجة التي تجلبها لنا العيون الساهرة في رعايتنا، والمحبة في احتوائنا، هذا عدا عن الحلوى التي كانت تخبئها لنا عندما نقبل عليها شوقاً وحباً لها، وننتظر حكايتها الشائقة تحت وقع القمر المنير وفي كنف الليل وهدوئه، فكان البيت يشع نوراً بها، يسير وفق قانونها ونظرتها، إلا أن هذا الأمر لربما اختلف بعض الشيء في منظمة بعض الأسر في وقتنا الحالي، فأصبح دورها قائماً مع وقف التنفيذ. فهل تغيّر دور الجدة في وقتنا الحالي؟!
وقالت التربوية بدرية المقيمي: أتذكر أن جدتي كانت تعتمد استراتيجية التربية بالحكايات، فكثيراً ما كانت تدخل الحكايات عندما تريد ترسيخ مفهوم ما أو نهينا عن فعل أمر ما قد يكون وقعه سيئاً علينا، فالكثير من القيم اكتسبناها من جدتنا، من خلال توجيهاتها ونصائحها في كيفية التعامل مع أصدقائنا والتصرف حيال الغرباء، وفي الجانب الصحي نجدها المرشد الذي يهتم بتغذيتنا ولا زلت أذكر صحن الفاكهة الذي تحضره لنا وقت الضحى وتجمعنا حولها أنا وإخوتي. واهتمامها بنا عند مرضنا فكان لديها من الخبرة في هذا المجال ما لم أكن أدركه حينها فعندما مرضت تقوم بدهني بزيت الزيتون والليمون لتخفيف درجة الحرارة، وتضع الكمادات فوق جبيني.

الأسرة الممتدة
أما دور الجدات حالياً، فأنا أشبهه بدور الحضانة، فهي قد تعتني بالحفيد لفترة مؤقتة إذا كانت الأم موظفة وإن لم تكن كذلك، فقد لا تقوم بهذا الدور إلا نادراً في حال خروج الأم لغرض ما، والسبب في هذا يعود إلى أن الأسرة الممتدة التي تضم الجد والجدة والأبناء والأحفاد لم تعد موجودة في وقتنا الحالي. فقد أصبحت الأسر صغيرة تضم الأب والأم وأبناءهما الصغار فقط، لذا افتقدنا دور الجد والجدة وحبهما لأحفادهما ذلك الحب الذي يجعلهما حريصين على إكسابهم ما يملكانه من خبرات.

وقالت الإعلامية أمل النعيمي: دور الجدة والجد منذ الأزل هو دعم الأبناء، بكل الوسائل والطرق، ولكننا أنا وزوجي نرفض أخذ دور الأب والأم لـ«أبنائنا» في اتخاذ قرارات التربية «إلا» إذا طُلب منا ذلك. ربما الظروف كانت مختلفة، في السير على نهج مختلف نوعاً ما، فقد كنّا عصاميين واعتمدنا في تربية أبنائنا لوحدنا دون تدخل أو أي نوع من المساعدة لا بوجود مربية ولا الأهل، لذلك أحب أن يتمتع أبناؤنا مثلنا بالاستقلالية في اتخاذ القرار حتى لو كانوا صغاراً، وذلك لأن النتائج ستكون هي التي سيتم اعتمادها. 
وأضافت: كما قرأت مؤخراً أن شعور الجدات بالعزلة والفراغ، وبحثهن عن لعب دور يشعرهن بأهميتهن، وحاجتهن إلى الاهتمام والعاطفة، وشعورهن بالمسؤولية، ولأن الأحفاد الأقرب عاطفياً للأجداد، فنجدهم حريصين على متابعة شؤونهم، وتلبية كافة متطلباتهم، متجاوزين بذلك أحياناً بعض الممنوعات التي يكون الأهل قد فرضوها على أطفالهم، ومتناسين خصوصية واستقلالية الأسرة الصغيرة الناشئة، ومحاولين فرض أسلوبهم الخاص في التربية، لقناعتهم بأنه الأسلوب الأفضل والأمثل، ولأن الأبناء في نظرهم لا يزالون يفتقرون إلى الخبرة التي يتمتعون هم بها. كما أرفض دور الجدة التقليدية الذي تكرره الدراما، فأنا لديَّ اهتماماتي الخاصة وبرامجي الخاصة وجاء الوقت «بعد التقاعد» الذي أستمتع فيه بوقتي من قراءة ومتابعة المستجدات في وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام في حلقات نقاش الكتب في النوادي المنتشرة. لكنني أحب أحفادي وأغدق عليهم من محبتي حال زيارتهم لنا ولا نُسرف. 
النصح والإرشاد
وتؤكد فاطمة المزروعي «جدة»: أجد أن دور الجدة في عملية النصح والإرشاد والتوجيه أمر ضروري ومهم، فقد أعتدنا ونحن صغار أن ننصت لجداتنا، اللاتي نوليهن كل الاحترام والتقدير، فالجدة بمثابة الأم لنا، فما تمليه علينا من أمور لا يمكن أن نتخطاه فكنا نتخذ نصائحها بحزم ولا نتخطاه أبداً، فتربينا في كنف الجدات وبرعاية الأم طبعاً، ولكن واقع الأمر مختلف في الوقت الحالي، بغض النظر تواجد الأسرة الصغيرة في كنف أسرة ممتدة، أو حتى انعزالها، أصبحت كلمة الجدة لا يؤخذ بها من قبل الأحفاد الذين يرونها يتعارض مع رغباتهم سواء اللعب لفترات طويلة بالألعاب الإلكترونية، والخروج مع الأصدقاء في المقاهي وغيرها، ولكن نحن نرى أن الجيل الحالي من الصعب جداً التعامل معه، فهم لا يطيقون سماع أي نصيحة، ويرونها وسيلة لمنعهم من الاستمتاع وغيرها، فنجدهم ينفرون عند الحديث معهم، فلا يرغبون أيضاً بالأخذ بكلمة الجدة، على الرغم من محاولة الكثير من الجدات استخدام الأساليب التي تربين عليها وهن صغيرات، إلا أن الأمور في الوقت الحالي لم تعد كما كانت في السابق، وربما الأمهات أيضاً لا يرغبن في أن تشاركهن الجدة التربية، ولكن خوفاً وحباً في الجدة التي لا تستطيع أن تثني دورها في تقديم أبسط ما يمكن أن تقدمه وهو النصح المستمر.

الجيل السابق
فيما ترى الكاتبة كلثم الفلاسي أنه اختلف الدور التربَوي للجدات، نظراً لاختلاف المعايير التربوية في خطوطها العريضة باختلاف الزمن أولاً، حيث إنه قديماً كانت الظروف المعيشية تتيح للجدات دوراً تربوياً أَثْرى وأَكبر، يوم كانت ظروف الحال تنبئ عن الدور التكاملي في التربية، حيث الأَجداد يربون والآباء، وكذلكَ الْجار السابع، وذلك خلاف ما ينبئ عنه الوقت الراهن. أما ثانياً فتباين نظرة الجيل اللاحق للتربية عن نظرة الْجيل السابق كان له أثر واضح على الدور التربوِي، فقلما نجد في وقتنا الراهن التكاملية التربوية، تلك التي تحقق بدورها التوازن التربوي، وذلك بإِدراك الجيل اللاحق لأهمية الوقوف على خبرات الجيل السابق بالاستشارة، وتوظيف المهارات التربوية الحديثة بالبحث والاستنارة. فلا خير من الاتكاء على العادات التربوية القديمة دون الارتكاز على الأدوات والمهارات التربوية الحديثة، فالتربية فن، والفن ترقية.

المربية والمرشدة
أكدت الدكتورة نجاة الزبيدي اختصاصية الطب النفسي، أنه لا أحد يستطيع أن ينكر دور الجدات الكبير في تربية الأبناء والأحفاد، فهن الركيزة التي تتمحور حولها كل العائلة، فالجدة هي المربية والمرشدة والموجهة والحنونة، والتي تقدم خبرات السنين لأحفادها كي لا يتعثروا في طريقهم نحو المستقبل، ولكن مع تقدم السنوات طرأت تغييرات كثيرة أثرت في هذه العلاقة وهذا الارتباط، فمع رتم الحياة السريع وعمل المرأة وتوجه العائلات الصغيرة للعيش المنفصل وفي أماكن بعيدة، تماشياً مع متطلبات الحياة، أصبح دور الجدة يقل ويتلاشى، فقلت التجمعات والزيارات، وأصبح الطفل يرى جدته كالغريب، وللأسف انتقلت هذه العلاقة من الجدة إلى المربية الدخيلة على مجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا، مما له الأثر النفسي الكبير على الجدة، وكذلك الأحفاد، فباتت الجدة لا تشعر بقيمتها وتحس أن دورها الجبار بدأ يهمش، وتبدأ الشعور بالوحدة والانعزال، فهي التي كانت تربيهم عند ذهاب ابنتها للعمل، وهي التي اعتادت تجمع أحفادها حولها دائماً.

رعاية دون كلل
توضح الدكتورة منيرة الرحماني مختصة في تطوير الذات: لربما قديماً كنا نرى الجدة هي من يقوم برعاية أفراد الأسرة كافة منذ بزوغ الفجر إلى انتصاف الليل، دون كلل أو ملل، فهي كالفراشة التي تحلق هنا وهناك تلبية لحاجات الأسرة، سواء من أبناء أو أحفاد.
وقالت: اليوم نرى أن دور الجدات اختلف لاختلاف أولوياتنا في الحياة، فتقلصت أدوار الجدة، وعوضاً عن ذلك أصبحت الجدة تجد ما يسليها في أوقات الفراغ. فهي تقوم باستثمار وقتها لتطوير ذاتها بشكل أكبر. واستغلال كل دقيقة تمر في شيء مفيد لها، وتفكر بنفسها أولاً. وليس الأبناء. فهذا الشعور بالرضا هو ما يجعلها قوية تواجه تحديات الحياة الجديدة. قديماً كانت الجدة هي من تربي ليس فقط جيل أبنائها، بل أيضاً أحفادها، وقد تبدل الحال في يومنا هذا وقلما نجد الجدة ترعى أحفادها.. فأغلب الأسر قامت بالاتجاه نحو الحضانات والتي تعتبر واجهة اجتماعية ضرورية، لا سيما أنه للأفضل، ولكن من وجهة نظري، فإن الحياة البسيطة التي كنا نعيشها في الماضي هي الأقرب لنا كبشر، فنتخذ من الجدة، مدرسة قوية المنهاج لنتخرج فيها بنجاح، بمهارات وكفاءات عالية الجودة ورفيعة المستوى، في مواجهة تحديات الحياة كافة.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©