الأربعاء 29 مايو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

د. شريف عرفة يكتب: سعادة على مقاسك

د. شريف عرفة يكتب: سعادة على مقاسك
11 سبتمبر 2021 00:08

في السيارة، كنا جالسين في صمت لا يليق بتوجهنا للمقهى، حيث لا يتوقف الحديث.. هنا قررت قطع السكوت بأن سألت صديقي: ما هو الوضع المثالي الذي تتمناه لحياتك؟
نعم، أنا غريب الأطوار لدرجة طرح سؤال كهذا! فكر لبرهة ثم أجاب:
- الهدوء.. أن أصِل لوضع يمكنني من الراحة وممارسة هواياتي وكفى.
كان صديقي متحققاً مهنياً، يحب عمله بارع فيه.. لذا تعجبت من هذه الإجابة.. فسألت: ألا تطمح في تأسيس شركتك العملاقة أو التوسع في عملك أو الوصول لمنصب أعلى أو تحقيق ثروة عظيمة؟
أجاب بلهجة قاطعة أن لا.. وتابع:
- «لم أعد منبهراً بنموذج السعادة الذي تفرضه وسائل الإعلام.. أصبحت أبحث عن سعادتي أنا.. أعرف ما يسعدني بغض النظر عما يفترض أن يسعدني.. هل تفهمني؟»
لم أكن أفهمه فحسب، بل كنت معجباً بوجهة نظره كذلك.. فقد كانت تعبر عما أدرسه وأؤمن به وأروج له في كتاباتي.. فما يتحدث عنه يدعى في علم النفس الإيجابي الأصالة Authenticity أي أن يعيش الإنسان بما يتوافق مع طبيعته النفسية لا ما يراد له أن يكون.. فالسعادة ليست شيئاً واحداً للجميع، بل تتغير حسب الاحتياجات النفسية والقيم ومرحلة التطور التي بلغها المرء..
تبث الإعلانات التجارية في أعماقنا تعريفات مادية للسعادة.. متعة السفر.. روعة المنتج.. لذة الوجبة.. بهجة الحياة في ذلك المشروع السكني أو تلك المدينة الجديدة.. ممثلون يبتسمون ويضحكون ويرقصون ويغنون من أجل استهلاك شيء ما وجدوا فيه السعادة الحقيقية.. لن تجد إعلاناً مدفوعاً يخبرك بأنك على ما يرام لا تحتاج لابتياع شيء كي تصبح رائعاً!
كنت طبيباً للأسنان، وقمت بتغيير مجال عملي سعياً لراحتي النفسية في ممارسة ما أحب.. لكني أعرف شخصاً غير مجاله بالعكس ودرس من جديد كي يعمل طبيب أسنان.. لم يكن هذا مناسباً لي، لكنه مناسب له.. ليس فيه سعادتي لكن فيه سعادته.. لا أشكك في قراره لأني أعرف جيداً أن من العبث افتراض كون السعادة في مجال دون غيره، لأن الناس مختلفين في طبائعهم وأولوياتهم وما يحبونه ويجيدونه.. البعض يفضلون الوظيفة المستقرة.. والبعض الآخر يحب إدارة مشروعه الخاص.. وغيرهم يحبون التغيير والمغامرة، وآخرون يفضلون البقاء في مكان واحد.. والبعض يتطلع لأخذ استراحة..
قد لا يكون حلم صديقي مناسباً للكثيرين..
لكن ما ألهمني هو أنه عرف سعادته، لا سعادة شخص آخر!

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©