الإثنين 17 يونيو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

ناصر الجابري يكتب: وقفة

ناصر الجابري يكتب: وقفة
7 أكتوبر 2021 01:19

‏يمضي قطار الحياة سائراً، لا يتوقّف عند محطات الأيام ولا تتباطأ عجلاته انتظاراً لأحد. يسير بالعُمر نحو القدر، حيثُ مسكننا وملاذنا ومستقر أوقاتنا، يُسرع سواء كنّا على وشك الوصول لخيبة، أو عند اقترابنا من لوعة، أو خلال محاذاتنا لألم، ويكمل سرعته ونحن في آفاق الأنس، ووسط التفاؤل والفرح، ذلك أن الحياة ستسير فينا بمرّها وحلوها.
‏أمام مشاغل الحياة الكثيرة، ومعمعة الدنيا، وهذا الكم الكبير من الأحداث التي تمر، ننغمس في عمق الأفكار، ونغطس في محيط الظروف، ونسافر إلى جزيرة الانعزال، فننسى ولادة الشمس عند كل صباح، ونغفو عن خُضرة الحدائق ونمو الأشجار، ونجري خلف وهم الخلود، ولا نتذكّر أن السراب، وإن كان جميلاً، فمصيره التلاشي والاختفاء.
‏إن كثيراً ممن نقابلهم، ونحن منهم في أحيان كثيرة، لا يدركون جيداً مدى أهمية المحافظة على الصحة النفسية والتمسّك بها واستحضار عواملها، فصحة العقل كما صحة القلب، لا تقل أهمية، بل إن في قوة العقل وحضوره ونشاطه وطاقته، تأثيراً على الجسد، فكثيراً ما يكون للذهن دور في شحذ همة الجسد، فالنفس عندما تفقد شغفها وتخسر هواها وتنكسر آمالها وتهوي في قيعان اليأس، فإنها تضع الخاتمة للقلب، فالقلوب الحيّة ليست تلك التي تنبض فقط، بل التي تشعر بجوانب الحياة وتدرك تفاصيلها وتستمتع بما حولها.
‏إنّنا نحتاج بين صفحات العُمر، إلى وقفة، نسترجع فيها دروس الماضي وعِبره، ونذاكر عبرها المستقبل وتحدياته، ونستحضر خلالها النواحي المشرقة من حياتنا، ونستذكر النِعم التي بيننا، وقفة تعيدنا إلى حيث براءة الأطفال، واستكشافاتهم ومغامراتهم ونقاوتهم، وقفة تعيد إلينا شُعلة الشغف وتذكّرنا بأن الحاضر سيكون من الماضي ولو بعد حين، وأن الماضي سيظلّ ذكرى وإن بقينا نحفر فيه.
‏المشاغل كما دقائق الوقت ستستمر ولن تعود للوراء، وهو ما قد ينسينا أن هُناك من حولنا، أو أن بيننا ثروة داخلية لم نستكشفها أو نحسن استغلالها، وهو ما يتطلّب وقفة لأجل النفس في سبيل الغد المشرق.
‏إن الوقفة مع النفس ضرورة لا ترف، فلا أشد خسارة من أن يقدّم الإنسان صحته النفسية في سبيل ما يظنه مكسباً، ولا أجمل من أن يحفظ الإنسان نفسه ويضع درعاً واقياً من الأمل والتفاؤل والقناعة المطلقة أمام  تغيرات الأزمان، فالهزيمة الحقيقية لا تكمن في عدم الوصول، بل في الاكتفاء من المحاولات، والفائز الأكبر هو من خاض التحديات وتقلبات الأمواج بوقفات تزيده خبرة ودراية، وبأوقات مستقطعة تدفعه وتحفزه.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©