هناء الحمادي (أبوظبي)
يجسد مهرجان الشيخ زايد منصة مثالية لترسيخ الهوية الوطنية لأبناء الإمارات، والتعريف بالتراث الثري والمتنوع في عناصره ومدلولاته، من خلال سرد قصة وطن تحدّى الصعوبات وحقق الإنجازات، ليُصبح رمزاً للنجاح والريادة.
ووسط أجواء التراث الإماراتي الأصيل عبر دكاكين ومطاعم وأهازيج وأسواق شعبية، يأتي المهرجان في نسخته الجديدة بصيغة مميزة تجعل منه متحفاً حياً يتيح للزوار خوض تجربة فريدة، في «الحي الإماراتي» من خلال العديد من الأنشطة الحية والتفاعلية.

شواهد تقليدية
يقدم «الحي الإماراتي» للجمهور رسالته في الحفاظ على التراث عبر مكونات وشواهد تقليدية وعروض فلكلورية تناسب أفراد العائلة ويظهر حضارة الإمارات وجوانب مُتعددة من ثقافتها وموروثها الشعبي. ويتضمن عروضاً حية عن الحرف القديمة التي تعكس أدوات العيش قديماً، ليؤكد أن الإنسان في الإمارات عاش مراحل زمنية مختلفة على هذه الأرض الطيبة، وأسس مجتمعات مزدهرة ومتطورة، هي نتاج حضارة الإمارات وتراثها على طول الامتداد الجغرافي للدولة.
وعبر جولة في «الحي الإماراتي» يستمتع الزوار من مختلف الجنسيات بزيارة الدكاكين التي تظهر مهارة الحرفيات في تقديم صناعات تقليدية.
فنون شعبية
تتنوع الفنون الشعبية الإماراتية المشاركة في المهرجان، ما يجعل الزائر يقف مستمتعاً بسمفونية الألحان التراثية ومنسجماً في بحور الأصالة الإماراتية المستمدة من عبق الماضي، وتأتي حرصاً من أبناء الوطن على تقديم هذا اللون التراثي لما يحمله من روح الأجداد، ليأخذوا على عاتقهم مسؤولية الوطن في تنميته ورقيه وازدهاره.
وفي «الحي الإماراتي» تتزيّن الساحات باستعراضات الفنون الشعبية بأداء موسيقي لافت يعكس المخزون التراثي والموروث الوطني الذي يمثل الألفة والمودة والمحبة التي قضاها وعاشها الأجداد، ليبقى راسخاً في النفوس، ورمزاً ملهماً لتعزيز الهوية والانتماء للوطن والتاريخ.

عروض حية
ومع الفنون الشعبية يشاهد الزائر الصناعات التقليدية التي تعرضها الحرفيات في إطار ورش حية، يعملن أمام الجمهور ويقدمن له سر مهنة ورثنها عن الجدات. وتتضمن مشاركة «حاميات التراث» في إدارة الصناعات التراثية والحرفية عرضاً حياً للحرف المرتبطة بالبيئات الإماراتية الغنية بالأشكال والألوان. وتقدم كل سيدة حرفتها وهي متألقة بزيها التراثي وبحليها التقليدية وبأنامل مخضبة بالحناء، مما يقدم صورة متكاملة تغري بالتوقف عندها والتقاط الصور للذكرى والتوثيق. وفي جناح آخر يبدع الكثير من الحرفيين من البيئة البحرية في صناعة الشباك والقراقير والحبال، معربين عن فخرهم واعتزازهم بتلك الحرف، مشيدين بالاهتمام الذي توليه القيادة الرشيدة لإحياء التراث الإماراتي المتوارث عن الآباء والأجداد.
سوق الوثبة
وبرائحة البخور والعود التي تجذب الجمهور تتسارع خطوات الزوار لمشاهدة سوق الوثبة الذي يفتح أبوابه من الساعة الرابعة وحتى منتصف الليل، وتتنوع فيه المنتجات والمشغولات اليدوية والعطور والملابس التراثية والأكسسوارات التي تزين النساء في المناسبات الوطنية والتراثية.

وذكرت زمزم إبراهيم الشيخ من محل رقم A 45، أنها تتقن الأشغال اليدوية التي احترفتها الأمهات والجدات، قائلة: لم يهملن تعليمنا في الصغر، حيث قمت بعمل الكثير من السرود وتزيينها بالتلي بعدة ألوان لإضافة لمسة جمالية والاحتفاظ بها في زوايا المجلس. وترسم زمزم كذلك على أدوات الضيافة والمداخن رسومات تراثية مميزة تبهر الزائر لاقتناء عدد منها، كما تتفنن أيضاً في صناعة الكثير من الملابس والأثواب مثل «ثوب النشل» الممزوج بالزري والذي يناسب الصغيرات والنساء.
صناعات وحرف
وفي الحي الإماراتي أبدعت سارة الجنيبي بمشروع مميز وهو تشكيل أدوات ضيافة مصنوعة من الخشب بطريقة يدوية مستخدمة خشب الزيتون والجوز والزان. وقالت: إنها تجربة جديدة وعمل مميز قمت بتنفيذه باستخدام أخشاب تتميز بجودة عالية، وعملت على تنفيذ صواني التقديم، وأضفت عليها مادة «الأبوكس»، وهي مادة شفافة تعطي ملمساً ولمعة للقطعة الخشبية لتزيدها جمالاً. وذكرت سارة أن إنجاز قطعة واحدة يتطلب 5 أيام.

دخون وبخور
ومن ركنها الذي تفوح منه الروائح الزكية، قالت عبير النعيمي: أضيف العطور العربية إلى خلطاتي وأبتكر خلطات، كما أن وفرة المواد جعلتني أنتج خلطات جديدة توافق مختلف الأذواق، مشيرة إلى أهمية اختيار الأدوات التي يوضع فيها الدخون والبخور، والتي أصبحت متنوعة وفاخرة. إذ تشكل جزءاً من ديكور البيت، حيث تخصص لها الزاويا ويتم اختيارها بعناية فائقة، لما يحظى به التطيّب بالبخور والعطور في الإمارات من مكانة بارزة منذ القدم، ولا يخلو منها بيت إماراتي، وتعتبر عنصراً أساسياً في المناسبات والأعراس والأعياد.
خلطات عطرية
من دكان عبير النعيمي تفوح الروائح العطرية العربية مع الفرنسية لتعطر المكان وتستدعي الاهتمام، حيث ذكرت أن حب التعلم دفعها منذ سنوات لاكتشاف المزيد من أسرار صناعة العطور والدخون. وأصبحت اليوم تمارس هذا الشغف بحب، حيث تميزت في صناعة العطر الفرنسي ومزجه بعطر «الريم العربي»، وكذلك الدخون التي تتميز بروائح فواحة تجذب الزوار.

منتجات سقطرى
إن الذي يزور الجناح الإماراتي في سوق الوثبة لابد أن يتوقف لاكتشاف منتجات جزيرة سقطرى والمحل الذي يعرض أدوات تراثية ومجموعة من الحرف التقليدية. وقالت نجاة علي غالب: إنها المشاركة الثالثة لي في مهرجان الشيخ زايد الذي يعد فرصة للتعرف إلى عادات وتقاليد شعوب الدول المشاركة عبر أجنحتها. ويتضمن دكان سقطرى صناعات تقليدية يدوية، مثل المداخن بأحجام وأشكال مختلفة، وسعف النخيل والسدو ومستلزمات التجميل والعود والبخور السقطري الذي يتميز بالتنوع.
القهوة العربية
تأتي مشاركة مريم مهيل، بإعداد نكهات ومذاقات للقهوة العربية الشقراء والسوداء، الممزوجة بالهيل والزعفران، والتي تفوح منها رائحة تجذب الزوار إلى الدكان. وقالت: إنها المرة الأولى التي أشارك بها في مهرجان الشيخ زايد، وقد انبهرت بالكثير من الفعاليات التراثية والأهازيج الشعبية والأجنحة والدكاكين التي تنوعت فيها الحرف والصناعات التراثية الإماراتية.
تفاعل
يمنح المهرجان الزوار فرصة التفاعل مع طيف واسع من العادات والتقاليد التي تعبر عن المكونات الثقافية والحضارية والإنسانية والفكرية والتراثية، ويضم آلاف الفعاليات التثقيفية العالمية والفعاليات الترفيهية الجماهيرية التي تناسب أفراد العائلة، إضافة إلى أجنحة ومعارض لحضارة الإمارات.
مذاقات
تستقبل سميرة محمد المنصوري زوار سوق الوثبة بابتسامة ممزوجة بنكهة القهوة العربية، وهي ماهرة في إعداد مشروب «التلبينة» الذي يتمتع بفوائد كثيرة. كما تتميز في تحضير البهارات العربية التي تضيف مذاقاً مختلفاً على الأكلات الإماراتية، وتشارك في مهرجان الشيخ زايد منذ دورته الأولى. وقالت: المهرجان جسر للتواصل بين الماضي والحاضر ولتبادل الثقافات والعادات، ويزخر بمختلف الفنون والألعاب والحكايات والأزياء والحرف والأمثال الشعبية التي حفظتها الذاكرة وتناقلتها الأجيال.