السبت 24 فبراير 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

شيخة الجابري تكتب: بوحُ السماء ورقصات الماء

شيخة الجابري تكتب: بوحُ السماء ورقصات الماء
12 فبراير 2024 01:47

يهطل المطر، تتثاءب السماء ويرقص الماء، ينثر الفرح، يطيّر الفراشات لوّاحة في الفضاء، يغري العصافير بالبوح إذ يهل المطر، تتسامى ذكريات، وتطلعُ ذكريات، دعوات ترافق كل ذكرى، وتنبهات أنْ احترسوا من المطر، ولا أحد يكترث فالروح عطشى والأماني كِثار، والمطر يغري بالجنون، بالمغامرة، بالفرح، بالحب.
يهطل المطر يكسر حدة الدفء لينبت البرد من كل الزوايا هناك بردٌ واحتياج، تنز في اللحظة قصيدة البدر«جمرة غضى أضمها بكفي» ثم «بردان أنا تكفى/ أبا أحترق بدفا»، هكذا تأتي القصيدة وكأنها تعرف مهمتها إذ تطلع عندما يورق برقٌ، ويتجلى صوت رعدٍ من كبد الغيم يأتي مؤذناً بماء السماء، وعذوبة القطرات التي يحملُ فتّانة تتساقط، كأنما ارتفاع الغيم للمسافة الأبعد من سقوط، للأقرب من حياة.
صديقنا المطر، رفيقُ اللحظات الحلوةِ حيث «لَبطاح والمساييل والوديان» وعيون الأمهات وقلوب الآباء ترقب عن كثب وفي وجلٍ شقاوات الصغار، وهم يخوضون في الماء، يروحون نحو البهجة التي ترتسم في مخيلاتهم وعلى ملامحهم، يبدو المساء في حضرة الغيم كمن يسحُّ «دموعه الثقال»، أطفال كنّا نحب المطر ونشعر أنه يحبنا، صديقنا الحقيقي الوارف، في حضرته لا يداهمنا الخوف «كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم» ونحن نبتلّ بالماء لترتجف ضلوعنا برداً وسلاماً.
عندما يهطل المطر نعود صغاراً تسبقنا خطواتنا نحوَ الماء، تسقط الأعوام في حضرة الفرح، في اللحظة نرقبُ قوس قزح يلوّن أيامنا بابتسامات لا تنتهي، ونروح نغنّي «طاح المطر بيد الله، كسّر حُوي عبدالله» لا نعرف عبدالله ذاك الذي أشبعناه أدعيةً وأمنيات في أناشيدنا الطفولية التي حفظناها من جداتنا وأمهاتنا، ترى ماذا يحفظ الصغار في وقتنا هذا من الأهازيج والأغاني البريئة الجميلة التي لم تزل تتقافز في أذهاننا، ولا يعرفها صغارنا اليوم بكل أسف.
أغنياتنا الشعبية النقيّة المحفوفة بالفرح، تحمل في داخلها شموسٌ وأقمار، وأسرارٌ وشغبٌ واحتفالات، ياليتها تُعلم لأطفالنا في زمننا هذا المزدحم بالغريب من الأغنيات، والعجيب من الحكايات والقصص واللغات، كلما عاد مطرٌ في موعده غنّوا مع أطفالكم أهازيجه الطريّة ستشعرون بسعادة غامرة، وستربطون الصغار بالوطن وبالهوية وبالأرض، إنها مهمتكم السامية كأسرٍ سكنَ حبُّ الوطن في حناياها.
أهلاً بالحِيا، مرحباً بابن ماء السماء، قد أسعدتَ أرواحنا ونحنُ نستقبلك بكل الود، نعرفك صديقاً حميماً، سوف نحتفل بك أكثر في هدوء، وحذرٍ ومحبة، كلنا نحب القفز في المطر، لكن يتوجب الحذر من السقوط.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©