الخميس 26 مارس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

الزراعةُ العضويةُ في الإمارات: رحلةٌ نحو تُربةٍ حيّةٍ ومستقبلٍ متجدّد

الزراعةُ العضويةُ في الإمارات: رحلةٌ نحو تُربةٍ حيّةٍ ومستقبلٍ متجدّد
8 يناير 2026 01:45

بقلم: الشيخة موزة بنت محمد آل حامد

في صباحٍ خريفيٍّ هادئ، تتساقط الأوراق على الطرقات كما لو أنّ الأشجار تُلقي رسائلها الأخيرة قبل أن تدخل في محراب صمت الشتاء. تخلع الأشجار رداءها، وتتساقط الأوراق واحدةً تلو الأخرى، لتستقرّ حول الجذوع، وتتناثر على الطّرقات وفوق التّربة برقّة الرّيش، حاملةً في سقوطها الهامس صدى الفصول التي مرّت، وممهّدةً لبداية دورةٍ جديدةٍ من حياة الأرض. وفي مشهدٍ آخر، ترسم رطوبة الصّباح حبّاتٍ نديّةً على الأوراق، فيما تحافظ البذرة على حياةٍ هاجعةٍ تختبئ تحت قشرتها الصّغيرة، تلك القشرة القاسية التي تصون كنز الحياة في داخلها. وهنا تبدأ البذرة رحلتها الجديدة في الإبداع والإصرار، لتبوح بسرّ مثابرتها وعزيمتها على الاستمرار.
من يتأمل المشهد البيئي عن قرب، يدرك أنّ الإنسان والبذور والأرض وإيقاع الفصول وتحوّلات المناخ يشكّلون معاً منظومةً مترابطةً تعمل بانسجامٍ دقيق، يجعل كلّ عنصرٍ فيها متكاملاً مع الآخر. ومن هنا تبرز أهمّية إعادة بناء التّربة واستعادة توازنها الحيوي بعد سنواتٍ طويلةٍ من الاستنزاف.
في عمق الأرض، تكمن طبقة الدُّبال (Humus) المتكوّنة من تحلّل الأوراق والجذور والكائنات الدقيقة. والدُّبال ليس مجرد مادةٍ عضوية، بل جزءٌ من منظومةٍ أوسع تُعرف بالمادة العضوية في التربة (Soil Organic Matter-SOM)، وهي نظامٌ بيئيٌّ متكاملٌ يعزّز قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء، ويثبّت العناصر الغذائيّة، وينشّط الفطريّات الجذريّة، ويحسّن بنية الأرض. وهي طبقةٌ تتجدّد باستمرار كلما تتأثّر بعوامل المناخ والتّلوّث البيئي. وتشير بعض الدّراسات إلى أنّ زيادة مكوّنات المادة العضويّة في التّربة، بما فيها الدُّبال، بنسبة 1% قد ترفع قدرة التّربة على الاحتفاظ بالماء بنحو 20 إلى 25%، بما ينعكس مباشرةً على خصوبة الأرض وقدرتها على التّحمّل في البيئات الجافّة والحارة.
 كما تفيد تقارير المناخ العالمي باحتمال ارتفاع درجات الحرارة في منطقة الخليج خلال العقود المقبلة وفق سيناريوهات المناخ الحالية، وهو ما يعني تبخّراً أعلى للمياه وجفافاً أسرع للتربة، مما يجعل بناء تربةٍ حيّةٍ قادرةٍ على الاحتفاظ بالرّطوبة حاجةً أساسيةً للمستقبل. وتسهم زراعة الأشجار في خفض حرارة البيئة، وهو ما يعزّز احتفاظ التّربة برطوبتها ويقلّل أثر موجات الحرارة، بينما تُظهر دراساتٌ حضريّةٌ أن ارتفاع الغطاء الشجري إلى 40% يمكن أن يخفض حرارة الهواء من 4 إلى 5 درجاتٍ مئويّةٍ مقارنةً بالمناطق الخالية من الأشجار.
 تضم التّربة الحيّة كائناتٍ دقيقةً وفطرياتٍ وديداناً تعمل باستمرار على تدوير المواد، وتخلق توازناً دقيقاً يمنح النّبات قدرةً أعلى على الصّمود. ومن جمال الزّراعة العضوية أنها تعيد الحياة إلى ما يُعدّ مخلّفاتٍ، كالأوراق المتساقطة والفحم الحيوي، وهو ما يزيد من خصوبة التّربة ويرفع إنتاجيّتها. كما أنّ الاهتمام بالحشرات النافعة، كالنحل والفراشات والدّعسوقات، والحرص على عدم القضاء عليها بالمبيدات الكيمياوية، يُعدّ أمراً أساسيّاً نظراً لدورها في تلقيح النّباتات وتنظيف الحقول وتهوية التّربة.
أمّا تنويع المحاصيل، فيكسر دورات الآفات، ويعيد الحيويّة، ويجدّد تنوّع الحياة في التّربة، ويصون خصوبتها على المدى الطّويل.
وفي هذا السّياق، تتجلّى أهمّيّة طبقة الدُّبال، فهي التي تمنح التّربة قدرتها على الاحتفاظ بالرّطوبة وتوازنها الحيوي. وإلى جانب ذلك، يلعب الضّوء دوراً أساسياً في دورة حياة النّبات، فتشير أبحاث فسيولوجيا النّبات إلى أنّ تعرّض النّبات لضوء الشّمس شرطٌ جوهريٌّ لبدء عمليّة التّمثيل الضّوئي، الأساس الذي تنتج منه النّباتات غذاءها، وتبني خلاياها، وتُكوِّن نكهتها وقيمتها الغذائيّة، لتنمو نموّاً طبيعياً وصحياً.
وفي المقابل، تُظهر دراساتٌ أخرى أن تعرّض الإنسان لضوء النّهار يدعم تنظيم السّاعة البيولوجيّة، ويحسّن المزاج والوظائف الذّهنية. وهكذا تتشارك الكائنات حاجتها إلى الضّوء، كلٌّ وفق نظامه الحيوي الخاص.
تكشف الدّراسات الحديثة عن أن الأشجار تتواصل عبر شبكةٍ معقّدةٍ من الجذور والفطريّات تُعرف بالإنترنت الخفي للغابة. وقد أظهرت أبحاثٌ حديثةٌ أن الأشجار يمكن أن تتبادل المغذّيات، وترسل إشارات تحذير، وتدعم الشّتلات الصّغيرة عبر هذه الشّبكات الحيويّة. وإذا كانت الغابات تجسّد هذا التّرابط في بيئاتٍ رطبةٍ وغنيّة، فإنّ الإمارات تعمل ضمن بيئةٍ متفرّدةٍ بطبيعتها المناخيّة، الأمر الذي استدعى تطوير أساليب زراعيّة حديثة. وعلى الرغم من محدوديّة التّربة وندرة المياه، فقد طوّرت الإمارات أساليب زراعيّة من دون تربة، مثل الزّراعة المائيّة (Hydroponics)، والزّراعة الهوائية (Aeroponics)، ونظم الأكوابونيك (Aquaponics)، إضافةً إلى الزّراعة العموديّة. ويبرز دور المركز الدّولي للزّراعة الملحيّة (ICBA) في تطوير محاصيل مقاومة للملوحة، وتحسين إدارة الموارد المائيّة، وتطوير نباتات تتحمّل الملوحة، مثل الساليكورنيا. وتشير بعض التّقديرات إلى أن الدّول الجافّة تعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على استيراد الغذاء، ممّا يجعل تطوير منظومةٍ زراعيّةٍ محليّةٍ مستدامةٍ هدفاً وطنيّاً أساسيّاً.
ورغم ما تحقّقه هذه التّقنيات الحديثة من كفاءةٍ في استخدام الماء والمساحة وارتفاعٍ في الإنتاج، يبقى السّؤال الجوهري قائماً: هل تستطيع هذه النّظم أن تحلّ محل التّربة الحيّة بكل ما تحمله من مغذّياتٍ وحياةٍ بيولوجيةٍ لا تُعوَّض؟
في عالم البذور، تظهر البذور التراثية (Heirloom Seeds) ككنوزٍ حيّةٍ تحمل أصنافاً أصيلةً قابلةً لإعادة الزّراعة. وقد أدرك المصريّون القدماء أهمّيّة حفظ الحبوب الكاملة، فأنشؤوا صوامع من الطوب اللّبن، بعضها دائري يشبه خلايا النّحل، تُملأ من فتحةٍ علويّة وتُفرغ من فتحةٍ سفليّة، إلى جانب حُفرٍ مبطّنةٍ بالطّين وجرارٍ فخاريّةٍ محكمة الإغلاق في مخازن جافة. وهكذا احتفظت الصّوامع بالقمح والشّعير لسنواتٍ طويلة، لتغدو نموذجاً مبكّراً لمنظومةٍ دقيقةٍ لحفظ الغلال عبر الزّمن.
ومع ما تشهده الإمارات اليوم من بنيةٍ بحثيّةٍ متقدّمةٍ وبرامج جامعيّة تدرّس علوم الزّراعة والبيئة واستدامة الموارد، فإن توسيع هذه المسارات ليشمل تخصّصاتٍ أعمق في الزّراعة العضويّة والزّراعة التجديدية، إلى جانب علوم التّربة وخصوبتها وبيولوجيا التّربة، يُعدّ خطوةً واعدةً لتعزيز ما هو قائم بالفعل. كما تبرز أهميّة تطوير برامج في علوم البذور وطرائق اختيارها وحفظها في بنوك الجينات، بما يواكب الجهود الوطنية في مراكز الموارد الوراثيّة وبنوك البذور المحليّة. فالبذور الأصيلة غير المهجّنة ليست مجرد خيارٍ زراعي، بل أساسٌ يُبنى عليه مستقبل الإنتاج الزراعي المحلي.
وماذا لو تجاوزت الزّراعة حدود الحقول لتصبح جزءاً من حياتنا اليوميّة؟ يمكن للزّراعة أن تمتد من إطار الحقول لتشمل المدارس والمستشفيات والأسواق. ففي المدارس، يكتشف الطّلاب عالَم النّبات بالممارسة والتّجربة، ويتعرّفون إلى قيمة الغذاء العضوي، ويستفيدون من منتجات المساحات الخضراء في وجباتٍ صحيةٍّ عضويّة تُقدَّم لهم يوميّاً. وفي المستشفيات، تسهم المساحات الخضراء في دعم التّعافي، ويُقدَّم فيها غذاءٌ عضويٌّ متوازنٌ يرسّخ قيم التّغذية السّليمة. بينما تتيح الأسواق المجتمعيّة تواصلاً مباشراً بين المزارع والمستهلك، وتشجّع الإنتاج المحلّي، وتوسّع دائرة الوعي الغذائي في المجتمع. ولعلّ ما تُجسّده هذه التّجارب من وعيٍ بيئيٍّ وإنسانيٍّ يزهر يوماً في ربوع العالم العربي.

تجربتي الشخصية

منذ سنوات الطّفولة، كان والدايَ، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ محمد بن بطي آل حامد، قدوتي الأولى، منهما تعلّمت حبّ الزّراعة والطّبيعة والاهتمام بالبيئة، وتعلّمت منهما الكثير، وأدين لهما بالكثير. بدأت رحلتي من ركنٍ صغيرٍ في حديقة المنزل، تردّدت قبل أن أزرع فيه أول بذرة، لكنني اكتشفت أن فنّ الزّراعة يربّي الإنسان كما يربّي زرعه.
حاولت أن أُصغي إلى التّربة، وأن أراقب وأحلّل. وحينها قادني إلهامي إلى إضافة طبقاتٍ من الأوراق المتساقطة تحت الأشجار بدلاً من إزالتها لأجل المظهر الجمالي. وكنت أرى الأوراق المتساقطة بألوانها جمالاً يُضاف إلى المشهد الطّبيعي، وفيه شيءٌ من الرّومانسية يسكب على المنظر جمالاً خفياً تصوغ الطبيعة ملامحه.
وكذلك فعلت ببقايا الأغصان والجذوع، إذ حوّلتها، بعد حرقها، إلى فحمٍ حيوي، وخلطته مع السّماد العضوي. فتغيّر كل شيء، ورأيت التّربة تستعيد نضارتها شيئاً فشيئاً.
تعلّمت أن الإنسان، مثل البذرة، ينمو نموّاً سليماً في بيئةٍ حانية، ويحتاج إلى فسحةٍ يختلي فيها بنفسه للتقييم الذاتي. فالعلم يميط اللّثام عن الظّاهر، أما التّجربة فتفتح أبواب ما وراء الظّاهر. ومن هنا، يحتاج الإنسان إلى تواصُلٍ واعٍ مع ذاته ومحيطه… لأنّ ما نبت في حقول حياتنا يوماً هو ما قد نبت فينا أوّلاً.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©