أبوظبي (الاتحاد)
لم تَعُد الجبال في دولة الإمارات مجرد تضاريس صامتة على أطراف المدن، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى فضاء حيّ للتجربة والمعرفة والسياحة المستدامة. وفي قلب هذا التحوّل، انطلق فريق «غامِر مع الطبيعة» كنموذج إماراتي مختلف، لا يكتفي بتنظيم رحلات المغامرة، بل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، عبر وعي بيئي ورؤية ثقافية مسؤولة.
يقود هذا التوجه أحمد عيسى المنصوري، مؤسس ورئيس الفريق، الذي يشير إلى أن الجبال كانت جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، مؤكداً أن تجربته الطويلة في تنظيم المعارض التراثية داخل الدولة وخارجها، أسهمت في بلورة فكرة الفريق. ويقول إن الهدف لم يكن البحث عن نشاط ترفيهي جديد، بل تقديم صورة حقيقية ومتكاملة عن طبيعة الإمارات.

من الشغف إلى الرؤية
يوضح المنصوري، أن فكرة تأسيس الفريق جاءت بعد ملاحظة الانتشار الواسع للمقاطع المنشورة عن المسير الجبلي بين الهواة، وكان يرى أن المحتوى يفتقر إلى الرسالة. ويؤكد أن فريق «غامِر مع الطبيعة» انطلق بهدف تعريف المواطنين والمقيمين والسياح بالمناطق الجبلية والساحلية والصحراوية في الدولة، وإبرازها عبر منصات التواصل الاجتماعي بصورة تليق بجمالها، مع التركيز على ثقافة الحفاظ عليها. ويشير إلى أن الفريق لا يكتفي بالمسارات المعروفة، بل يسعى باستمرار إلى اكتشاف قرى جبلية تراثية مخفية، وينابيع في قمم الجبال، وأفلاج ومساكن أثرية، موضحاً أن توثيق هذه المواقع يفتح نافذة على تاريخ الإمارات الطبيعي والإنساني في آنٍ واحد.
أنشطة متنوعة
وفي حديثه عن أنشطة الفريق، يقول المنصوري: «المسير الجبلي الطويل يشكّل النشاط الأبرز، وغالباً ما تكون المسارات التي ينظمها الفريق أطول وأصعب من غيرها، بهدف تقديم تجربة حقيقية لعشاق المغامرة». ويشير إلى تنظيم رحلات استكشافية للكهوف المخفية، وتوثيق الحياة الفطرية من طيور وزواحف وحيوانات جبلية.

ويضيف: «الفريق ينفّذ أحياناً تسلّق جبال خارج المسارات المعتمدة لاكتشاف تضاريس جديدة، إلى جانب تنظيم رحلات تخييم، ومسارات مخصّصة للعائلات وكبار السن، وبرامج تعليمية للأطفال، تركّز على التعريف بأنواع الجبال، والأشجار، وأساليب السلامة في الطبيعة».
جبل جيس
وحول أكثر الرحلات تميزاً، يشير المنصوري إلى مسار دائري حر في جبل جيس بطول يقارب 18 كيلومتراً، لافتاً إلى أنه يُعَد من أصعب التحديات التي خاضها الفريق. ويقول إن المسار يمر عبر شلالات وأودية، وأصداف متحجرة، ومساكن أثرية مثل بيت القفل، وبيت الصفة، إضافة إلى القبور القديمة والمساحات الزراعية ومصادر المياه في قمم الجبال، موضحاً أن المشاركة فيه تقتصر على المتمرسين نظراً لوعورته.
السلامة والتحديات
ويؤكد المنصوري، أن اختيار مواقع الرحلات يخضع لمعايير دقيقة، تشمل فئة المشاركين، وطول المسار، ودرجة الصعوبة والخطورة، إلى جانب المتابعة المستمرة لحالة الطقس. ويشير إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الفريق، بدانة بعض المشاركين أو مشكلاتهم الصحية، إضافة إلى صعوبة إدارة مجموعات كبيرة في تضاريس وعرة.

ويستذكر موقفاً صعباً مرّ به الفريق أثناء إحدى الرحلات، حيث تعرضت مشاركتان للإصابة خلال عاصفة ممطرة، مما اضطره مع عدد من الأعضاء إلى نقل إحداهن لمسافة 3 كيلومترات عبر تضاريس صعبة حتى الوصول إلى منطقة آمنة، مؤكداً أن مثل هذه المواقف تختبر جاهزية الفريق وقدرته على التعامل مع الطوارئ.
وعي بيئي
وفي الجانب البيئي، يوضح المنصوري أن الفريق ينظم حملات تنظيف للأودية والشواطئ والجبال بشكل مستمر، وقد تطوّرت هذه المبادرات إلى شراكات لتنفيذ حملات على مستوى الدولة. ويؤكد أن هذه الحملات حققت نجاحاً لمواسم متتالية عدة، كان آخرها في مدينة كلباء.
مشاهد متنوعة
ويرى المنصوري، أن المحتوى المصوَّر الذي ينتجه الفريق أسهم في تغيير الصورة النمطية عن الإمارات، خصوصاً لدى الأجانب الذين يشكلون نحو 80% من أعضاء الفريق. ويقول إن كثيرين يفاجؤون بوجود مياه جارية طوال العام، وعيون كبريتية، وشواطئ صافية مختلطة بالجبال، وقرى أثرية مخفية لا يصل إليها إلا عبر المسارات الجبلية.

خدمة وطنية
يؤكد المنصوري، أن رحلات التخييم التي ينظمها الفريق، مجانية وعلى نفقته الخاصة، دعماً للترويج السياحي للدولة، حيث يشترط إقامة المشاركين داخل الإمارات وحملهم للهوية الإماراتية والتأمين الصحي، حرصاً على السلامة والمسؤولية. وبهذا النهج، يرسِّخ فريق «غامِر مع الطبيعة» حضوره كمبادرة تتجاوز حدود المغامرة، لتصبح تجربة وطنية تسهم في حماية المكان، وتوثيق الجمال، وتعزيز الوعي بالسياحة الجبلية المستدامة في دولة الإمارات.