الخميس 11 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

«شارع المتنبي» في بغداد يفتقد الشغف للكتُب

«شارع المتنبي» في بغداد يفتقد الشغف للكتُب
11 يونيو 2026 15:47

بغداد (أ ف ب) 
في «شارع المتنبي» وسط بغداد حيث يتردّد تاريخياً هواة الكتب، يفترش حسين علي، الرصيف بعشرات المؤلّفات لبيعها، متأسِّفاً على اندثار شغف اقتناء الورق وتراجع مبيعاته في عصر الإنترنت. ويقول: قبل 35 سنة، كنت أبيع أكثر من 50 كتاباً في اليوم، وحالياً لا أبيع أكثر من 5 كتب في اليوم.شاع في الثقافة العربية في الماضي مَثل يقول: «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، في إشارة إلى كثافة الإنتاج الأدبي في مصر في مرحلة الستينيات من القرن الماضي وما بعدها، وانتشار المطابع في لبنان الذي يتباهى بحريات واسعة، وثقافة العراقيين الموسومة، لكن هذه المقولة تبدو بعيدة اليوم.
في الشارع الذي أُطلق عليه قبل نحو 100 عام اسم شاعر القرن العاشر أبو الطيب المتنبي، تنتشر عشرات أكشاك الكتب المليئة بكتب بالعربية والإنكليزية، وذلك بالقرب من المقاهي وملتقيات المثقفين. وترفع بعضها لافتات مكتوب عليها «الكتاب بألف دينار»، أي بأقل من دولار واحد، لمحاولة استقطاب الزبائن، لكن من دون جدوى. ويكتفي بعض روّاد الشارع بتصوير هذه الأكشاك مع الكتب، التي غزا بعضها الغبار على الرغم من أنها مطبوعة حديثاً وتتناول كتباً سياسية، وأخرى عن اليوغا وعلم الفلك والزراعة والفنون والإسلام وعلم النفس والفلسفة وعلم الآثار.. وبعضها الآخر ينهشه الاصفرار، بينها دواوين شعر من العصر العباسي، ودواوين أبو نواس الذي يحمل شارع آخر في بغداد اسمه، ومجموعات قصصية شعبية عراقية وروسية وتركية، كما يمكن رؤية مجلّات علمية وفنّية قديمة بهتت أغلفتها أو تشقّقت.
ويذكر بائع سبعيني يُدعى علي، أنه يشعر بالأسى لأنه يتعب ولا يربح في المقابل، مؤكداً أنه مستمرّ في عمله لأنه اعتاد عليه وعلى لقاء أصدقاء قدماء يزورون الشارع من وقت لآخر. 
ويُعتقد أن الكتابة ظهرت بشكلها الأول في جنوب العراق قبل نحو 5 آلاف عام، في مدينة أوروك الأثرية التي أصبحت اليوم معروفة باسم الوركاء وتقع في محافظة المثنى.
ويقول مهندس الحاسوب عيسى عدنان، (28 عاماً) إنه لم يعُد مهتماً بقراءة الروايات وكتب الفلسفة كما كان في السابق، لأن الجيل الحالي يفضِّل السرعة والإيجاز. ويرى أن البحث عن الكتب في «شارع المتنبي»، تحتاج إلى وقت أكثر بكثير من الحصول عليها إلكترونياً.
وعلى الرغم من نزاعات عرفها العراق على مدى عقود منذ ثمانينيات القرن الماضي، ظلّ «شارع المتنبي» نابضاً بالحياة بمكتباته ومقاهيه، حتى بعد تعرّضه في العام 2007 لتفجير دمّر محلات ومكتبات قديمة. وقبل بضعة أعوام، أُعيد ترميم الشارع الممتدّ على مسافة كيلومتر، وهو يؤدي إلى إحدى ضفاف نهر دجلة حيث تمثال كبير للمتنبي خُطَّ تحته بيت من إحدى أشهر قصائده: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمَمُ».
ويشير عبدالله عبدالعظيم (26 عاماً) الذي يدير مكتبة في «شارع المتنبي»، إلى «انخفاض كبير بعدد القرّاء والزبائن. ويقول الشاب الذي يروّج لمكتبته على منصة إنستغرام: الأرباح أحياناً بسيطة، وأحياناً أخرى معدومة بالكامل. ويرى أن البيت الذي لا يحتوي على مكتبة يفتقر للخيال والتجدّد.
ويقول الكاتب حاكم الشمّري، إنه بدأ يوزّع مؤلّفه الأخير على المؤسسات العلمية والوزارات من دون مقابل مادي، وسط تراجع في الاهتمام بالكتب.
وفي مقهى حيث يجتمع مثقفون من عدة مدن عراقية حول الشاي ومواضيع السياسة والشعر، يؤكد إسماعيل البياتي، أنه لا يوجد إقبال على الكتب حالياً في «شارع المتنبي» على الرغم من أنها تُباع بأثمان رخيصة. والرجل السبعيني الذي درَّس التاريخ على مدى 40 عاماً في جامعة بغداد، وقرأ أكثر من 500 كتاب في حياته، يحرص اليوم على شراء أي كتاب، لتغذية ولعه بالمطالعة ودعم الباعة. ويرى أن العالم اليوم يعيش حالة مشابهة للإدمان، فإذا فقد الإنترنت، كأنه يموت.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©