دينا محمود (لندن)
في مراسم تاريخية لم تشهدها بريطانيا منذ أكثر من سبعة عقود، أعلن مجلس «الجلوس على العرش»، أمس، رسمياً تشارلز الثالث ملكاً للبلاد، وذلك بعد يومين من وفاة والدته الملكة إليزابيث الثانية عن 96 عاماً، قضت أكثر من 70 منها.
وخلال المراسم التي شهدها قصر سانت جيمس في العاصمة لندن، ونُقلت على شاشة التليفزيون للمرة الأولى على الهواء مباشرة، وأدى الملك الجديد قسماً تقليدياً، تعهد فيه بـ«تكريس ما تبقى لي من حياتي لإنجاز المهمة الثقيلة الملقاة على عاتقي»، وذلك أمام المجلس، الذي يضم شخصيات سياسية ودينية وقضائية رفيعة المستوى.
وبحضور قرينته كاميلا، التي باتت تُعرف بالملكة القرينة، وكذلك نجله وولي عهده الأمير وليام، قال الملك تشارلز الثالث، إن من أكثر المهام الباعثة على الحزن لديه، أن يعلن وفاة والدته الحبيبة الملكة إليزابيث الثانية، التي أشاد بحقبتها «التي لا مثيل لها في مدتها أو تفانيها»، وتعهد بأن يسير على دربها، مُشدداً في الوقت نفسه، على أنه مُدرك بعمق للإرث العظيم لوالدته، وللواجبات والمسؤوليات الضخمة، التي باتت الآن منوطة به.
ووسط أجواء احتفالية، شهدت إعادة رفع الأعلام في بريطانيا إلى أعلى صواريها لمدة 24 ساعة، قبل أن تُنكس من جديد حتى نهاية فترة الحداد المعلنة بعد وفاة الملكة إليزابيث، بدأ كبار أعضاء البرلمان أداء قسم الولاء للملك الجديد، وهو ما شمل رئيس مجلس العموم ليندسي هويل وأقدم نائبيْن في المجلس، بجانب رئيسة الحكومة ليز تراس وزعيم المعارضة العمالية كير ستارمر.
ومن المنتظر أن يتسنى لباقي الأعضاء أداء القسم نفسه، عند عودة البرلمان للانعقاد بعد نهاية فترة الحداد الوطني المستمرة لمدة 10 أيام، وفي أول قرار لملك بريطانيا تشارلز الثالث وافق على منح البنوك عطلة يوم الجنازة الرسمية لوالدته الراحلة الملكة إليزابيث.
ومع وفاة الملكة إليزابيث، البالغة من العمر 96 عاما يوم الخميس الماضي، بعد جلوسها على العرش لسبعين عاماً، بدأ تنفيذ خطط وضعت منذ وقت طويل ومعدة جيداً لفترة حداد تستمر أياماً، وجنازة رسمية ستقام يوم ال19 من سبتمبر الجاري، حسبما أعلن دوق نورفولك والمسؤول عن الفعاليات الرسمية إدوارد فيتزالان هوارد أمس.
وخلف تشارلز، 73 عاماً، والدته على الفور يوم الخميس، لكن مجلس الخلافة اجتمع، أمس، لإعلان تنصيبه. وكان ابنه ووريث عرشه وليام وعقيلة الملك كاميلا ورئيسة الوزراء الجديدة ليز تراس من بين من وقعوا على البيان.
وخلال الاجتماع الرسمي للمجلس، هتف ستة من رؤساء الوزراء السابقين والأساقفة وعدد من السياسيين تحية للملك.
وقال الملك تشارلز الثالث: «إنني أدرك تماماً هذا الإرث العظيم والواجبات والمسؤوليات الجسيمة للسيادة التي انتقلت إلي الآن».
وأضاف: «في تحمل هذه المسؤوليات، سأعمل جاهداً لاتباع المثال الملهم الذي تم إرساؤه لدعم الحكومة الدستورية، والسعي لتحقيق السلام والوئام والازدهار، لشعوب هذه الجزر ودول الكومنولث والمقاطعات في جميع أنحاء العالم».
وفي وقت لاحق، من على منصة الإعلان، وهي شرفة تطل على فناء فريري في قصر سانت جيمس، تلا كبير الضباط النبلاء ديفيد وايت، برفقة آخرين في الملابس التقليدية الرسمية لمسؤولي المراسم الملكية، البيان الرئيسي، فيما علا صوت الأبواق.
ويُتلى بيان التنصيب علناً في العواصم الأخرى بالمملكة المتحدة، وهي إدنبرة في أسكتلندا، وبلفاست في أيرلندا الشمالية، وكارديف في ويلز، وفي مواقع أخرى أيضاً. وأصبح تشارلز الثالث الملك رقم 41 الذي يعتلي عرش بريطانيا من سلسلة تعود أصولها إلى الملك النورماندي وليام الأول الفاتح، الذي اعتلى عرش إنجلترا عام 1066. وتعكس المراسم تقاليد تنصيب الملوك والملكات المتبعة منذ مئات السنين.
والمراسم هي الأولى التي ينقلها التلفزيون لتنصيب ملك بريطاني. وهي الأولى في حياة معظم البريطانيين الحاليين الذين لم يعرفوا سوى الملكة إليزابيث. وكان عمر تشارلز نفسه ثلاثة أعوام عند تنصيب والدته ملكة.
وعقب المراسم في قصر سانت جيمس، تقدمت فرقة عسكرية صفوف الجنود وفرقاً ترتدي أزياء احتفالية عبر مدينة لندن القديمة إلى مبنى رويال إكستجينج، وهو أول مركز للتجارة بني لهذا الغرض في العاصمة البريطانية ويعود تاريخه إلى عام 1566، مع تلاوة بيان التنصيب مرة أخرى.
وانهالت التعازي لوفاة إليزابيث، أطول ملوك بريطانيا بقاء على العرش من الداخل وحول العالم. وجرى استخدام معالم تاريخية لتكريم مسيرتها مع إضاءة مبان في أوروبا وأميركا وأفريقيا بألوان العلم البريطاني الأحمر والأبيض والأزرق.
وفي بريطانيا، بدأ الناس في التجمع خارج القصور الملكية في الساعات الأولى من صباح أمس، مع تدفق الآلاف على قصر بكنجهام لتقديم الاحترام للملكة الراحلة والملك تشارلز الثالث.
ملك ورئيس 14 دولة
الملك تشارلز الثالث هو ملك ورئيس المملكة المتحدة و14 دولة أخرى منها أستراليا وكندا وجاميكا ونيوزيلندا وبابوا غينيا الجديدة.
ومن المتوقع أن يصل زعماء من جميع أنحاء العالم إلى لندن لحضور الجنازة، بمن فيهم الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أعلن عزمه حضور الجنازة.
وسيتم تتويج تشارلز كملك في موعد لاحق لم يتضح بعد. وكانت هناك فجوة زمنية بلغت 16 شهراً بين تنصيب إليزابيث في عام 1952 وتتويجها في عام 1953.
وتولت إليزابيث، التي كانت أقدم وأطول زعماء العالم بقاء في المنصب، العرش بعد وفاة والدها الملك جورج السادس في السادس من فبراير 1952، عندما كانت في الخامسة والعشرين من عمرها.
وعلى مر العقود شهدت تغيراً جذرياً في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لوطنها. وحازت على الثناء لعبورها بالنظام الملكي إلى القرن الحادي والعشرين وتحديثه في هذه العملية، على الرغم من التسليط الإعلامي المكثف والمتاعب في كثير من الأحيان.
والملك تشارلز الثالث لديه الآن مهمة تأمين مستقبل المؤسسة المالكة.