شعبان بلال (غزة)
اعتبر خبراء ومحللون أن الفجوة التمويلية تمثل تحدياً استراتيجياً أمام إعادة إعمار غزة، موضحين أنه بعد عدة أشهر على تشكيل مجلس السلام، لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة إعمار القطاع، التي تُقدَّر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار، بحسب تقارير أممية.
وقال الدكتور تيسير أبو جمعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلسطين، إن «الفجوة التمويلية» في ملف إعادة إعمار غزة لا تمثل مجرد نقص في الموارد المالية فحسب، بل تشكل «عقبة استراتيجية» تحول من دون تحقيق عملية تعاف شاملة ومستدامة للقطاع المنكوب.
وأضاف أبو جمعة، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يرتكز على معادلة ثلاثية الأبعاد تتمثل في: توافر تمويل مستدام وكاف، ووجود آليات فعالة وشفافة لإدارة الأموال، وتقديم ضمانات سياسية وأمنية قوية، موضحاً أن معالجة هذه الفجوة المالية تُعد شرطاً أساسياً لنجاح خطط الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي ينشده السكان.
وأشار إلى أن تحفيز المانحين الدوليين ووفاءهم بالتزاماتهم يتطلب بالضرورة وجود استقرار أمني وسياسي ملموس على الأرض، مؤكداً أن المجتمع الدولي والجهات المانحة يبحثون عن بيئة تضمن عدم تكرار سيناريوهات الدمار.
ولفت أبو جمعة إلى أن المانحين والمستثمرين يحتاجون إلى ضمانات بأن أموال الإعمار ستُوجَّه نحو بناء بنية تحتية ومشاريع تنموية طويلة الأمد، ولن تتعرض للتدمير في صراعات مستقبلية، مؤكداً أن الاستقرار، بمعناه الشامل، هو الذي سيحول الوعود المالية إلى مشاريع حقيقية على الأرض، ويحفز القطاع الخاص والشركات الكبرى على الدخول في عملية البناء والتنمية.
وذكر أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني أن أي محاولة للالتفاف على الواقع السياسي والأمني ستؤدي إلى تعميق الفجوة التمويلية، مشدداً على أن الطريق نحو غزة مزدهرة يبدأ من رؤية سياسية تضمن السلام الدائم، بما يوفر البيئة الآمنة لتدفق الأموال الدولية والمباشرة في إزالة آثار الركام وبناء مستقبل مستدام.
من جانبه، أوضح الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، أن طموحات إعادة إعمار قطاع غزة وتطلعات سكانه للنهوض من وسط الركام، تصطدم بواقع معقد تفرض فيه التحديات التمويلية نفسها عقبة أمام قطار البناء، لافتاً إلى أن الفجوة التمويلية باتت تمثل التحدي الأكبر الذي يرهن مستقبل الاستقرار في المنطقة.
وذكر عمران، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يمكن فصله عن الأرقام الفلكية التي تتطلبها البنية التحتية المتهالكة في القطاع، موضحاً أن الفجوة التمويلية ليست مجرد نقص في التدفقات النقدية، بل هي مهدد حقيقي يهدد بتحويل مشروعات الإعمار إلى مجرد خطط نظرية، مما يطيل أمد المعاناة الإنسانية لمليوني إنسان يعيشون في ظروف بالغة القسوة.
غياب الضمانات
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن خطورة هذه الفجوة تتجلى في الفارق الشاسع بين حجم التعهدات الدولية المعلنة في المؤتمرات الكبرى، وبين ما يتم تسييله وتوجيهه فعلياً على أرض الواقع، مضيفاً أن هذا التباطؤ التمويلي يشل قدرة الجهات التنفيذية على إطلاق مشاريع حيوية ومستدامة، مثل إعادة بناء شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات، مما يبقي الجهود محصورة في إطار المسكنات الإغاثية المؤقتة التي لا تبني مستقبلاً.
وأفاد بأن غياب الضمانات المالية المستقرة والواضحة يدفع الشركات الكبرى والمقاولين الدوليين إلى الإحجام عن الدخول في التزامات طويلة الأجل، خوفاً من توقف الإمدادات المالية في منتصف الطريق، وهو ما يجعل أي جهد لإعادة الإعمار يراوح مكانه من دون تقدم ملموس.