لا تزال مرحلة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في أولها. معالجة الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة، تبقى على رأس الأولويات، بالرغم من وجود مخططات استراتيجية عميقة فعلاً لبيرنهام، تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، وتستمر لأجيال عديدة مقبلة. ما يريده بيرنهام الآن، هو تهدئة الناخب من جهة الغلاء، ولاسيما أن بريطانيا (كغيرها من البلدان الأخرى) «اكتوت» بنار التضخم منذ مطلع العقد الحالي، وارتفعت وتيرة التهديد الآتي من هذه «الآفة»، في أعقاب استفحال حدة الاضطرابات الجيوسياسية، لاسيما المواجهة الراهنة في الشرق الأوسط. الهدف الأهم للقيادة الجديدة في لندن، هو خفض تكاليف المعيشة، وخصوصاً المتعلقة بالطاقة والمواصلات وعدد من الخدمات الأساسية، وتمهيد الطريق لإطلاق انتخابات عامة، قد تدعم استحواذ حزب العمال الحاكم على مقاليد الحكم ربما لعقدين من الزمن.
السؤال الأهم حول أي مخططات لخفض تكاليف المعيشة، هو ذاك التقليدي. من أين ستمول الحكومة خطط الخفض هذه؟ بالطبع ما يطرحه بيرنهام يدخل في الإطار الشعبي المهم بهذه المرحلة. فمثلاً، قراره إلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء، يعد نقلة نوعية بهذا الاتجاه، لكن تكاليف هذا الإلغاء، تصل تقريباً إلى مليار جنيه إسترليني سنوياً، ما يعني أنه يتوجب عليه توفير هذه الأموال، من مصدرين اثنين لا ثالث لهما، رفع الضرائب، أو الاقتراض. ورفع الضرائب ليس غريباً على حكومة عمالية سواء كانت تقليدية أو متجددة، وساحتها الحالية ليس سوى الشركات والأثرياء، وهو أمر محفوف بالمخاطر، خصوصاً مع تراجع الاستثمارات في بريطانيا، بفعل خروجها من الاتحاد الأوروبي «بريكست».
أما بالنسبة للاقتراض، فهو أمر لا يقل حساسية عن رفع الضرائب، مع بلوغ ديون البلاد أكثر من حجم ناتجها المحلي الإجمالي. في الحالتين المرحلة ستكون حساسة جداً للحكم الجديد في «داونيج ستريت»، بالرغم من أن هناك قبولاً شعبياً واضحاً له. فهو لا يمنح «مسكنات» اقتصادية، بل يستعد لعمليات «جراحية» للاقتصاد، تعيد بريق بريطانيا المالي على الساحتين الأوروبية والدولية. فمن أهم مخططات بيرنهام، العمل السريع للعودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد أن أظهر «بريكست» أن المملكة المتحدة خسرت ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي بسبب الانفصال المثير. المرحلة المقبلة ليست سهلة، أمام رئيس وزراء، يريد أن يصنع التاريخ كسياسي، لا كموظف بدرجة عالية.