معتز الشامي (أبوظبي)
لم يَعُد العد التنازلي يفصل العالم عن بطولة كروية عادية، بل عن النسخة الأكبر والأكثر طموحاً في تاريخ كأس العالم، حين تفتح الولايات المتحدة وكندا والمكسيك الليلة أبوابها لاستضافة مونديال 2026، الحدث الذي يَعِد بإعادة رسم خريطة كرة القدم العالمية على مدار 39 يوماً من الإثارة والمنافسة. وللمرة الأولى منذ انطلاق البطولة عام 1930، سيشارك 48 منتخباً في النهائيات بدلاً من 32، في خطوة تعكس رؤية الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» لتوسيع دائرة المشاركة، ومنح المزيد من الدول فرصة الحضور على المسرح الكروي الأكبر في العالم. وتشهد البطولة إقامة 104 مباريات، وهو الرقم الأعلى في تاريخ كأس العالم، مقارنة بـ64 مباراة فقط في النُّسخ السابقة، ما يجعل مونديال 2026 مهرجاناً كروياً عالمياً يمتد عبر ثلاث دول و16 مدينة، ويجمع ثقافات مختلفة تحت راية اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض. وتنطلق المنافسات من ملعب أزتيكا التاريخي في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي الليلة، في لحظة تحمل الكثير من الرمزية، إذ يصبح الملعب الشهير أول ملعب في التاريخ يستضيف مباريات كأس العالم في ثلاث نُسخ مختلفة، بعدما احتضن بطولتي 1970 و1986.
وتبدو النسخة المقبلة مختلفة على كافة المستويات، ليس فقط بسبب زيادة عدد المنتخبات والمباريات، بل أيضاً بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للبطولة، حيث تمتد الملاعب من فانكوفر الكندية شمالاً إلى مكسيكو سيتي جنوباً، مروراً بعواصم رياضية كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس وميامي ودالاس وتورونتو. وسيخوض اللاعبون والجماهير تجربة غير مسبوقة تجمع بين المنافسة الرياضية والسفر عبر قارة كاملة، في بطولة يتوقع أن تسجِّل أرقاماً قياسية جديدة على صعيد الحضور الجماهيري والمشاهدة التلفزيونية والعوائد التجارية. وعلى أرض الملعب، تتجه الأنظار نحو المنتخبات الكبرى التي تدخل البطولة بأحلام التتويج، وفي مقدمتها الأرجنتين حاملة اللقب، وفرنسا وصيفة النسخة الماضية، إضافة إلى إسبانيا وإنجلترا والبرازيل وألمانيا والبرتغال، بينما تأمل منتخبات أخرى في كتابة قصص جديدة وإحداث مفاجآت تُعيد إلى الأذهان أجمل لحظات كأس العالم.
التنوع الفني
تحمل البطولة طابعاً عالمياً غير مسبوق مع مشاركة منتخبات تخوض النهائيات للمرة الأولى في تاريخها، ما يعزّز من التنوع الفني والثقافي، ويجسّد فلسفة «فيفا» الرامية إلى جعل اللعبة أكثر انتشاراً وشمولاً. وبين أحلام النجوم، وشغف الجماهير، وصراع المنتخبات على المجد، يستعد العالم لمتابعة نسخة استثنائية قد لا تكون الأكبر في التاريخ فحسب، بل ربما الأكثر تأثيراً أيضاً، فمونديال 2026 ليس مجرد بطولة جديدة، بل فصل جديد في حكاية كرة القدم، حيث تتلاقى القارات والثقافات والطموحات في رحلة واحدة نحو الكأس الأغلى في العالم.
«ضربة البداية العربية».. بصمات تونسية وجزائرية وسعودية
يأمل «العرب» في افتتاح كأس العالم 2026، بـ«صورة جديدة»، إذ لم تبتسم المباريات الأولى للمنتخبات العربية دائماً، عبر تاريخ مُشاركاتهم «المونديالية»، حيث أتت «ضربة البداية العربية» عادة «محدودة»، في القوة والتأثير، لكن بظهور 8 مُمثلين للكرة العربية في البطولة الحالية، دُفعة واحدة، رُبما يحصد «العرب» افتتاحاً مُختلفاً هذه المرة.
وعبر 28 مباراة افتتاحية للمنتخبات العربية، بلغت نسبة الفوز 10.7% فقط، بإجمالي 3 انتصارات، بدأها المنتخب التونسي أمام نظيره المكسيكي، بنتيجة 3-1، عام 1978، ثم الجزائر في 1982، بالفوز التاريخي على ألمانيا 2-1، وهو ما كرّره منتخب السعودية، بانتصار «قياسي» على حساب الأرجنتين، في النُسخة الماضية.
على الجانب الآخر، كانت الهزيمة في المباريات الأولى للمنتخبات العربية، النتيجة الأكثر تكراراً، بواقع 17 مرة، تُمثّل نسبة 60.7%، وتُعد نُسخة 2018 الأسوأ في هذا الصدد، إذ خسر ممثّلو العرب المباريات الافتتاحية الـ4 لهم، بينما تُعتبر البطولة السابقة، 2022، الأفضل لهم، حيث حصدوا فوزاً واحداً وتعادلين، مُقابل خُسارة وحيدة آنذاك في «ضربة البداية».
وبين 8 تعادلات، سجّلت نسبة 28.6% في افتتاحيات العرب المونديالية، كانت هُناك مواجهة «عربية خالصة» وحيدة، انتهت بنتيجة 2-2 بين السعودية وتونس، في أولى مبارياتهما بكأس العالم 2006، بينما حضرت تعادلات «تاريخية» في هذا المشهد، بداية من تعادُل الكويت الافتتاحي، في الظهور الأول الوحيد لـ«الأزرق» بكأس العالم 1982، بنتيجة 1-1، مع تشيكوسلوفاكيا، بطل أوروبا والأولمبياد في تلك الحقبة، وكذلك تعادُل مصر 1-1 مع هولندا، في مونديال 1990، وكان «الطواحين» بطلاً لأوروبا قبلها أيضاً.
وباستثناء مباراة السعودية وتونس عام 2006، سجّل «العرب» 18 هدفاً خلال تلك المواجهات الأولى، بمُعدّل 0.66 هدف/ مباراة، أبرزها «ثُلاثية» تونس في شباك المكسيك عام 1978، بينما استقبلوا 47 هدفاً، بمُتوسّط 1.74 هدف/ مباراة، ويحمل المنتخب السعودي الهزائم الأثقل في «ضربة البداية»، إذ خسر 0-8 أمام ألمانيا في أولى مبارياته ببطولة 2002، قبل أن يتلقّى 5 أهداف دون ردٍّ في 2018، على يد روسيا.
وأخفق ممثلو الكرة العربية في بلوغ الشباك خلال 15 مباراة افتتاحية، انتهت 12 منها بالهزيمة، مقابل 3 تعادلات، بينها التعادُل السلبي بين المغرب وكرواتيا في افتتاح مبارياتهما ببطولة 2022، وكانت تلك التعادلات هي الوحيدة لـ«العرب»، التي نجحوا خلالها في الخروج بـ«شباك نظيفة» في «ضربة البداية».
سجل الانتصارات
وبحسب إجمالي عدد المُشاركات، فإن المنتخب التونسي خاض 6 مباريات افتتاحية، فاز في واحدة وتعادل في مباراتين وخسر 3 مرات، وسجّل «نسور قرطاج» 6 أهداف، مقابل 9 في شباكه، بينما لعب المغرب نفس العدد، حيث تعادل 3 مرات وخسر مثلها، مُسجّلاً 3 أهداف ومُستقبلاً 6، أما منتخب السعودية الذي لعب نفس عدد المباريات الافتتاحية أيضاً، فقد فاز في مباراة وتعادل في أخرى، وخسر 4 مرات، وأحرز 5 أهداف بينما تلقّى 19 هدفاً في شباكه، وكان المنتخب الجزائري قد لعب 4 مباريات، بواقع فوز وتعادل وهزيمتين، وبلغ شباك منافسيه 4 مرات، واستقبل 5 أهداف. ويُذكر أن منتخب ألمانيا كان الأكثر مواجهة للمنتخبات العربية، في المباريات الأولى، حيث لعب 3 مباريات، فاز مرتين وخسر مباراة، بينما خاضت إنجلترا وبلجيكا وروسيا، مباراتين لكل منها، وفازت فيها كلها، والطريف أن مواجهتي «الأسود الثلاثة» أتت أمام «نسور» تونس، عامي 1998 و2018، كما لعبت هولندا مباراتين، ومثلهما للدنمارك، وانتهت واحدة في كل مرة بالتعادُل والأخرى بهزيمة عربية، كلتاهما من نصيب «الأخضر» السعودي.