سعد عبد الراضي (أبوظبي)
في أربعة فصول بحثية، قدمت الكاتبة والباحثة المغربية ربيعة العربي، أستاذة التعليم العالي بجامعة ابن زهر في المغرب، في كتابها الذي حمل عنوان: «القاموسية.. النشأة والتطوّر»، دراسة نسقية ثرية ومحكمة للقاموسية (Lexicography). والكتاب أصدره مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، ضمن سلسلة البصائر للبحوث والدراسات التي تعنى بنشر الكتب الحاصلة على منح من «برنامج المنح البحثية» الذي أطلقه المركز للارتقاء بالبحث العلمي في اللغة العربية وحقولها المعرفية المختلفة. واشتمل الكتاب على الإشكالات الأولية المهمة المرتبطة بالقاموسية، وعلى رأسها تحديد مجالها، وموضوع اشتغالها، وأهم مفاهيمها وبُعدها النظري وكذلك الإجرائي.
كما اشتمل مسار البحث أيضاً على دراسة الملامح العامة للصناعة القاموسية ومنعطفاتها التاريخية الكبرى، مع تتبع مراحلها التأسيسية الأولى، وتحديد دواعي نشأتها والتطوّرات التي خضعت لها، وتركّز الدراسة على الانطلاق من رصد القاموسية في مختلف الحضارات القديمة كالحضارة الصينية والهندية والفارسية واليونانية والرومانية، والانتقال إلى دراسة القاموسية العربية التي سارت في منحيين هما: قواميس المعاني وقواميس الألفاظ.
الحقول المعرفية
ويقع الكتاب في 268 صفحة، وجاء الفصل الأول منه بعنوان أوليات منهجية، ويضم ستة مباحث هي: القاموسية بين النظرية والتطبيق، والمعجمية والقاموسية، وباقي الحقول المعرفية، والقاموس، وبنية القاموس وإشكال الدائرية، أما الفصل الثاني فحمل عنوان القاموسية في الحضارات القديمة، وضم أربعة مباحث هي: القواميس الصينية القديمة، والقاموسية الهندية والقواميس الفارسية، والقاموسية اليونانية والرومانية. وجاء الفصل الثالث بعنوان القاموسية العربية والعبرية واشتمل على خمسة مباحث هي: المراحل الكبرى، وقواميس الموضوعات، وقواميس الألفاظ، والقواميس الحديثة، والقواميس العبرية، بينما اشتمل الفصل الرابع والأخير الذي حمل عنوان القاموسية الغربية على ستة مباحث هي: المراحل التأسيسية، والتطورات الكبرى، وعوامل نشأة القاموسية الغربية، والقاموسية الفرنسية، والقاموسية الإنجليزية، والقاموسية الأميركية، والقاموسية الروسية.
وخلصت الكاتبة من دراستها إلى مجموعة من النتائج العامة وهي اقتران وضع القواميس في بداية انطلاقها بغايات متعددة، على رأسها الغاية الدينية. كما أنها انطلقت من جمع الكلمات الغامضة، ولم تتجاوز في بداية نشأتها، من حيث الكم، بضع صفحات محدودة. غير أنها ما لبثت أن وجهت عنايتها إلى جمع مفردات اللغة كلها، وهو ما جعلها تصدر بأحجام كبيرة وفي مجلدات ضخمة، كما أن القاموس مهما تعددت أنماطه يحتكم إلى نوعين من البنى: البنية الكبرى المحددة للنسق العام الضابط للتعامل مع مجموع المدخلات المعجمية، والبنية الصغرى الضابطة للمعلومات اللغوية وغير اللغوية المرتبطة بكل مدخل على حدة.
أبعاد دلالية
وخلصت الكاتبة كذلك إلى أن القواميس دعامة مركزية ليس في جمع اللغة فحسب، بل أيضاً في تشكيل أبعادها الدلالية، وبناء منظومتها الفكرية، وتنظيم مسالكها التصورية، وأنها متغيرة بتغير اللغة وتطورها، وهذا يفرض عليها التعامل بمرونة مع مدخلاتها ومخرجاتها، ويضعها أمام ضرورة مواكبة العصر بإدراج الكلمات الجديدة، وحذف الكلمات القديمة التي لم يعد لها أي أثر يذكر في الاستعمال.كما أن القواميس تستمد قيمتها من الثقة التي تتصف بها، والتي تجعل القارئ يلجأ إليها حين يريد معرفة معنى كلمة ما أو التحقق من هذا المعنى. وأن القاموس مرآة عاكسة للتطور اللغوي والعلمي والثقافي الذي وصلت إليه الأمة، وله دور مهم في نشر اللغة وترسيخ الثقافة.
الكاتبة ومؤلفة الكتاب الدكتورة ربيعة العربي، صدرت لها أعمال منها: كالعنقاء أنهض من رماد: مجموعة قصصية 2016، والخطاب: المحددات وآليات التأويل 2018، وتقاطعات بين الوظيفية والمعرفية: نصوص مترجمة 2018. كما صدر لها: الحجاج بين الجدلية الصورية والجدلية التداولية، والمعجم الذهني بين النمذجة والتقييس.