الأربعاء 28 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

نزار قبيلات يكتب: المحتوى وجدلية الحضور والإبهار

نزار قبيلات يكتب: المحتوى وجدلية الحضور والإبهار
25 أغسطس 2025 01:42

د. نزار قبيلات*
لم يُحسم بَعد التنافس بين الشّاشة والصفحة، فالرغبة في الظهور والإشهار والسّبق في الإِخبار ما انفكت تُراوح بين خبر مكتوب ورواية بصفحات طويلة وبين لقاء خاطف في بودكاست أو في أحد تطبيقات السوشال ميديا، ومع ذلك صار هناك تَمهُّل ووعي جيّد لدى الجمهور، بحيث زاد هذا الوعي من أهلية الحكم على المحتوى المُقدّم مرئياً أو ورقياً، فهناك مَن يراقب المصداقية ويتثبّت منها.
الكتابة مهارة إنتاجية وعملية غير عفوية، وكما يقول البنيويون هي جهاز تعتريه المكابدة والمعاضدة، بل والنّزف كما يقول أيضاً الأدباء الذين لم يتسنَ لهم حضور عصر السوشال ميديا هذا، فهي بالنسبة لهم صيد يحتاج إلى صبر وتفكر طويلين، وبالكتابة قد ينجو الإنسان بمجرد ملامسة الحروف وصوغ الكلمات وتدفق السّرد، فتفك القيود عن الأفكار وتتحرر.
لكن في المحتوى المرئي والمسموع، ثمة تسارع محفوف بتبعات الندم أحياناً، حيث الكتّاب الورقيون لا يعنيهم حضورهم الجسدي، بقدر ما هو حضورهم الروحي، في حين يرغب صُنّاع المرئي في الإسراع في الحضور والوقوف أمام الشاشة وكأنهم راغبون في الظهور وحسب، إذ المحتوى مهما كان شكله بحاجة إلى إعداد وصبر ومراوحة بين ما يجوز أو لا يجوز، بين المُثمر والعدمي، فالكثير من صُنّاع المحتوى اليوم تغريهم سرعة التأثير وكثرة المرئيات من صور وفيديوهات وأصوات وغيرها... معتقدين أن معظم من يشاركهم محتواهم هو مُعجب به، غير أن هناك من تعجبه لغة صانع المحتوى وطريقته وليس أفكاره، حيث لا يتم التمييز بين المؤثّر والصانع، فالتأثير بحاجة إلى فكرة ناضجة يقوم عليها، قابلة للتقدير والتطبيق، وسوى ذلك سيكون ما يقدمه صانع المحتوى مجرّد هذر يأتي كزوبعة في فنجان، والمرئي ولكي يسترعي الانتباه يحتاج إلى وسائل حجاج وإقناع، على الرغم من سرعته وانتشاره، تماماً كما هي مهارة الكتابة الإبداعية.
لتبقى الكتابة ابنة العزلة تتردد حين الوقوف أمام مئات العيون، لأنها منذ نشأتها ما زالت مقترنة بفلسفة الخطابة التي وضعها أرسطو: الأخلاق والانفعال والتصديقات. لقد تفاقم عدد متابعي المحتوى المرئي بسبب تراجع القراءة، وصار هناك أدب رقمي يستطيع أن يزيل التوتر ويحفز الخيال ويبعد التشتت، كما فعل الورقي، غير أن صانع المحتوى يقف أمام عدسة لا تقول ما تقوله عيون الجمهور وتأملاتهم ليتدفق شيء ما يصعب ضبطه ما لم يكن مضبوطاً من صانعه قبلاً.
* أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©