هزاع أبوالريش
ما الذي تضيفه ترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغات العالمية، سواء للنص أو المؤلف أو القارئ؟ الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا إلى عديد الفوائد التي تحققها الترجمة، سواء عبر مساهمتها الفعّالة في بناء جسور التواصل والحوار والمعرفة بين شعوب العالم، أو على مستوى الوصول إلى جمهور أوسع، ما يمثل دافعاً إيجابياً للمؤلف، أو فيما يتعلق بالإضافة التي تقع على النص المترجم، إذ يمنحه هذا الفعل الإبداعي حياة ثانية في لغة أخرى أبعد من حدود لغة المؤلف، ما يمنح العمل الأدبي تأويلات وتأثيرات متعددة، وغير ذلك من العوامل التي تجعل ترجمة الأعمال الأدبية ضرورة ثقافية وحضارية.

يقول الكاتب محمد مراد الجوكر: «الترجمات الأدبية إضافة نوعية للكاتب، فحينما تترجم أعماله بشكلها الصحيح وتنقل إلى الآخرين بلغات عدة تعد مادة تثري الأفكار والعقول، وتوسع دائرة الجمهور لمعرفة الكاتب، وتعكس ثقافة وطنه وبيئته، وخروج الكاتب من دائرة المحلية إلى المشهد الإبداعي العالمي يمنحه حافزاً كبيراً على تجويد المحتوى والمضمون، وأن يكون دائماً حاضراً في المحافل الثقافية، سواء كانت محلية أو دولية».
ويتابع الجوكر: «الترجمة علمٌ في حد ذاته، ولا يستطيع أي شخص أن يقوم بعمل الترجمة، خاصة للمؤلفات الأدبية، فهي تحتاج إلى شخص متمرس ومتمكّن ومتخصّص، حتى تكون الصياغة الأدبية أكثر دقة واحترافية في نقل الأفكار للوصول إلى المعنى المنشود في فكر المؤلف، وفي نواة النص نفسه. فالأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى لغات أخرى هي خدمة للأدب العربي ككل، حيث إن هناك العديد من الأدباء العرب، الذين تُرجمت أعمالهم، وكانت هذه الترجمات بمثابة نقلة في مسيرة حياتهم الفكرية من حيث الانتشار والتأثير، وعندما يحمل العمل الأدبي قيمة معرفية وفكرية وثقافية عالية، فإنه يؤثر إيجاباً على الكاتب والجمهور».

جسر للتواصل
من جانبها، توضح الكاتبة والباحثة فاطمة سلطان المزروعي، أن الأعمال الأدبية المترجمة ليست مجرد نصوص منقولة من لغة إلى أخرى، بل هي عملية ثقافية عميقة تتجاوز حدود الكلمات لتصبح جسراً للتواصل الإنساني بين الشعوب. فالترجمة الأدبية تمنح النص حياة جديدة، وتسمح له بالتحرر من حدود لغته الأصلية، ليخاطب وجدان القارئ في أماكن وثقافات بعيدة، إنها فعل ثقافي يضيف للنص طبقات من المعنى، ويمنحه قدرة على الاستمرار والانتشار خارج نطاقه المحلي.
وتشير المزروعي إلى أن الترجمة تمثل نقلة نوعية في مسيرة الكاتب، فهي تعني أن عمله الأدبي لم يعد مقصوراً على قراء لغته الأم، بل أصبح جزءاً مهماً من المشهد الثقافي العالمي. هذا التحول لا يقتصر على زيادة عدد القراء، بل يرسّخ مكانة الكاتب في الساحة الأدبية الدولية، ويمنحه اعترافاً بقيمة نصه، إذ إن اختيار أي عمل للترجمة يُعد شهادة ضمنية على جودته وأصالته، فكثير من الأدباء لم يُعرفوا على نطاق واسع إلا بعدما تُرجمت أعمالهم، مثل نجيب محفوظ الذي وصل إلى العالمية بعدما نُقلت رواياته إلى لغات متعددة، وكان ذلك سبباً في حصوله على جائزة نوبل، لافتة إلى أن الترجمة أيضاً تقدم للكاتب أبعاداً جديدة لتجربته، إذ يرى عمله وقد أعيدت صياغته بلغة أخرى، وربما بظلال ثقافية مختلفة، وهذا يتيح له أن يتأمل نصه من زاوية مختلفة، وأن يكتشف فيه معاني لم يكن مدركاً لها من قبل. فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وعاء للثقافة والفكر، وعندما ينتقل النص إلى لغة جديدة، فهو يكتسب حياة ثانية ويخاطب ذائقة جديدة، وهذه التجربة تغني الكاتب وتعمق وعيه بذاته وبعمله.

الفهم المتبادل
من جانبها، تقول الدكتورة فاطمة الدربي، كاتبة وخبير دولي للتسامح واستشراف المستقبل: «قيمة الأعمال الأدبية المترجمة، تكمن في توسيع نطاق الجمهور، حيث تتيح الترجمة للأعمال الأدبية الوصول إلى جمهور أوسع، مما يزيد من انتشار الأفكار والثقافات، وتسهم في تعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب، مما يعزّز الفهم المتبادل والاحترام، وكذلك تساعد في الحفاظ على التراث الأدبي للشعوب، وتتيح للأجيال القادمة الوصول إلى الأعمال الأدبية الكلاسيكية. أما بالنسبة للكاتب، فإن ترجمة أعماله إلى لغات أخرى تزيد من شهرة الكاتب، وتصل أعماله إلى جمهور أوسع، ويمكن أن تعزز الترجمة تأثير الكاتب، وتأثير أعماله على المجتمعات الأخرى. بالإضافة إلى ذلك تفتح الترجمة فرصاً جديدة للكاتب مثل المشاركة في الفعاليات الأدبية الدولية أو التعاون مع كتاب آخرين».
واختتمت الدربي قائلة: «ترجمة أعمال المبدع تعتبر إضافة قيمة وكبيرة حيث تزيد من انتشار أعماله وتأثيرها، ويمكن أن تعزّز الترجمة من رؤية المبدع وتأثيره على المجتمع، وقد تفتح الترجمة آفاقاً جديدة للمبدع، مثل التعاون مع فنانين أو كتاب آخرين من خلفيات ثقافية مختلفة».

وسيلة للتقارب
ترى الكاتبة والباحثة موزة الكندي، أن الترجمة تحمل بعداً إنسانياً آخر، فهي وسيلة للتقارب بين الشعوب وتبادل الخبرات والتجارب، فعندما تُترجم رواية أو قصيدة أو مسرحية، فإنها تنقل معها ثقافة مجتمع كامل، وتتيح للآخرين أن يتعرفوا على قيمه وتاريخه وأحلامه وهواجسه. ومن هنا تتحقق واحدة من أهم وظائف الأدب: أن يكون وسيلة لفهم الآخر، وأن يسهم في بناء جسور الحوار والتعايش. وتضيف: «نستطيع القول إن الترجمة ليست مجرد إضافة للكاتب، بل هي إضافة مزدوجة: فهي تُثري النص وتضاعف أثره، وتفتح أمام المبدع آفاقاً جديدة من الحضور والتأثير، إنها فعل اعتراف وإبداع في الوقت نفسه، يجعل من الكاتب شريكاً في الأدب الإنساني الكبير، ويمنحه فرصة أن يُسمع صوته في فضاء العالم الرحب».

حياة ثانية
تقول الكاتبة رحمة حسن: «تُعد الترجمة الأدبية من أهم الجسور الثقافية التي تفتح أمام الكاتب آفاقاً جديدة، فهي لا تقتصر على نقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل تمنح المبدع حياة ثانية خارج حدود لغته الأم. حين تُترجم الأعمال الأدبية، تتحول إلى نافذة يطل من خلالها القارئ العالمي على ثقافة الكاتب وبيئته وتجربته الإنسانية، فيتعرف على تفاصيل قد لا تصل إليه بغير الترجمة. وبالنسبة للكاتب، فإن الترجمة تمثل إضافة نوعية لمسيرته الإبداعية، فهي توسّع دائرة قرائه، وتتيح له فرصاً أوسع للانتشار والحضور في الجوائز والمحافل الدولية، كما تعزّز من مكانته باعتباره جزءاً من الأدب العالمي، وإن النص المترجم لا يضاعف فقط من قيمة الكاتب، بل يجعله شريكاً في صناعة المشهد الثقافي الإنساني، حيث تتلاقى الأفكار وتتحاور التجارب عبر اللغات، ولهذا، تُعد الترجمة الأدبية اعترافاً عالمياً بالمبدع، وإرثاً ثقافياً مستداماً، يخلّد تجربته ويجعلها جزءاً من الذاكرة المشتركة للأدب الإنساني».