محمد عبدالسميع (الشارقة)
يبدو أنّ البورتريهات تعود بقوّة إلى منصات التفاعل في المعارض التشكيليّة؛ خصوصاً وأنّ الملامح الإنسانيّة على تنوّعها، تتخلل هذا الفنّ الذي يجسّد الماضي والحاضر، ويفتح مساحات واسعة للتأمل في كل تفصيلة من تفاصيل الوجوه المبثوثة أمام الزائر لمعارض من مثل هذا النوع. ومعرض «وجوه»، الذي أقامته جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، بإشراف وتنظيم الفنان سالم الجنيبي، كان جامعاً للعديد من الأعمال التي كانت ناطقة بتفاصيل أصحابها وهواجسهم ورؤيتهم للزمن ما بين الماضي والحاضر.
زهاء 50 فناناً وفنانة من أعضاء الجمعية استجمعوا قوّتهم ورسموا البورترية بكلّ هذا التنوع والثراء، ما بين التجريد والتجريب، لنكون أمام بستان يسرّ الناظرين، ولكنّه في الوقت ذاته يعمل على وخزات نفسية وعاطفية نعيش من خلالها في التفاصيل ونستذكر عبرها الزمان وننظر إلى الوجود وقادم الأيام..
لم تكن الأعمال كما وصفها حاضرون، أعمالاً تقليدية أو كلاسيكية، كما هي العادة في فن البورتريه، بل كانت بالفعل ترسم الأثر على هذه الوجوه؛ بمعنى أنّ كل فنان كان يستحضر قصص حياته أو المشاهد التي أثّرت فيه، وكانت تمور في داخله كفنان، ليسقطها على هذه الأعمال، بالاشتغال على مساحة التأويل، والتي هي حق للزائر الذي يستعرض من خلالها أفراحه وذكرياته وهمومه وأحزانه والكثير ربما من التمنيات التي لم تتحقق، باعتبار البورتريه يضيء على الكثير من المقارنات بين الأشياء والأزمان والأماكن وما بينها من ذكريات.
الشباب والرواداللافت في المعرض أنّه كان يجمع ما بين الشباب والرواد، في تبادل فني وثقافي ورؤى واتجاهات متنوعة ما بين هذه المدارس الفنية، فكان بالفعل سجلّاً للنفس الإنسانية ويحمل في ملامحه الإنسان وأشياءه وفلسفته الموزّعة ما بين الفنان الإنسان ومتلقيه بطبيعة الحال.
في سياق المعرض، قالت الفنانة التشكيلية الإماراتية نجاة مكي، إنّ المعرض فرصة ثمينة للشباب لكي يأخذوا عن الرواد، ولكي يبوحوا أيضاً بما يحملونه من مشاعر وأفكار ذاتية وعموميّة يجسدونها على صفحة البورتريه، مؤكدةً أنّ التشاركية والتقاء الأفكار في مثل هكذا أعمال، تفيد ليس فقط الفنان الشاب، ولكن أيضاً الزائر أو مقتني الأعمال، والذي يحبّ من يعبّر عنه ويعكس أحاسيسه بما هو غير تقليدي في فنّ البورتريه.
الواقعية
الفنانة الفلسطينية المقيمة في أبوظبي روعة طرطور، عبّرت عن سعادتها في المشاركة بالمعرض، وأن تحمل ذاتها وذات الآخرين الذين مرّوا على حياتها وشاهدتهم عن كثب أو قرأت ملامحهم؛ مبينةً أنها اتخذت الواقعية في البورتريه أسلوباً للرسم، من خلال تقنية الألوان الزيتية والخشب والرصاص، مستعرضةً حكايات قديمة، ومؤكدةً أنّ البورتريه فن رائع وجميل ويجب أن يُعاد إحياؤه والتذكير به، لما يحمله من فرص للإنسان ليقرأ جوهره ومشاعره والحكايات التي أثّرت فيه عبر رحلته مع الناس والحياة.
الملامح
أمّا الفنانة اللبنانية ماجدة نصر الدين، والتي أكدت أهمية المعرض في التعبير عن الملامح في البورتريه، فرأت أنّ الأعمال هي انعكاس لما يحمله الإنسان من ألوان الحزن والجمال والفرح، كمشاعر ربما تكون متناقضة أو تظهر على السطح مرة واحدة أو تغيب، وهو ما قامت بتجسيده عبر فن البورتريه في هذا المعرض، كخطوط عريضة بألوان معبرة، لافتةً إلى أنها استخدمت القهوة مع الألوان المائية والخياطة اليدوية التي قالت عنها إنّها تحمل فلسفتها في ذلك، بأنّ الفن يخيط الجراح بالذاكرة، كانعكاس لنخبوية الفنان وقراءته في الوقت ذاته تفاصيل الإنسان واشتغاله على فلسفة هذه التفاصيل.
الذاكرة والزمنمن جهتها كانت الفنانة عبير العيداني تشتغل على الذاكرة والزمن، كعنصرين مهمين في اللونين الأبيض والأسود، بما يحملانه من دلالة، لتأكيد فكرة التلاشي والتذكّر، مؤكدةً أنّ البورتريه ليس فقط رسم الملامح، ولكنه يحمل حالات من التأمل والأحزان والبكاء وتحولات الإنسان والفرح وكل تلك الحياة التي ترتسم على هذا البوتريه.
وعن المعرض قالت العيداني إنّه تجربة مهمة، وعلى الفنانين الشباب أن يأخذوا التجربة، ويستندوا إلى الموهبة، بالإضافة إلى الدرس الأكاديمي، وأهمية الاشتغالات المحسوبة، محذرةً من أنّ الذكاء الاصطناعي ربما يقدم لنا ما نريد، لكنه في النهاية لا يحمل تفاصيلنا أو إحساسنا أو الفن الحقيقي النابض من روحنا كفنانين ومبدعين نجسّد صورة الإنسان في كلّ الأحوال.
مساحات للتأويلأخيراً، أكد الفنان السوري عمر هبرة، المشارك بأعمال حملت قصصاً متنوعة من واقع الحياة، أنّ جمعية الإمارات للفنون التشكيلية تقوم بدور كبير في رعاية الفنانين واستقطابهم للاستفادة من خبرة الفنانين الرواد. وعن أعماله، قال إنّه مهتم بفتح مساحات للتأويل، مع حريّة المتلقي في التفسير، انطلاقاً من رؤيته وحياته وتفكيره تجاه البورتريهات. وقال هبرة إنّ المعرض يمثل رحلة بصرية وشعورية مشتركة بين الفنان والمشاهد، وبالتالي فهو يحمل صفة تثقيف الزوار وتأكيد حضورهم في التلقي وتفسير الأعمال.