للذاكرة وظيفتان تشتغلان معاً فيما تختزنه الذاكرة وما تتخلص منه، فهي مثل الإناء من حيث الامتلاء والإفراغ في تعاقب مستمر، فالإناء كلما امتلأ فرّغ بعض مخزونه كي يتقبل مزيداً من الامتلاء، وكذا الذاكرة كلما أثقلناها بمعطياتنا فليس لها إلا أن تحيل بعض ما لديها للنسيان. ويظل المكتوب عليه التناسي في طي النسيان ولكنه نسيانٌ مراوغ، فبعضه يتعصى على الزوال ويظل يعاودنا أو يسلم نفسه لحالات الاستدعاء، وتقابله عناصرُ تذوب وتتلاشى إلا بعد تصنعٌ للاستذكار، وذلك حينما يسعى أحدٌ ما أو حدث ما لتحريك مخبوءاتنا لنستعيدها، وقد نجدها غريبةً بسبب نسياننا لها وقد نسخط من تذكيرنا بها ونؤثرها منسيةً. ولكن أخطر حالات تحريك الذاكرة هي ما يسمى بالمظلومية. وفكرة المظلومية تصبح خطيرةً حين ترتبط بدواعي الانتقام أو الثأر، وهذه حالة تفتح أبواب جهنم على الذاكرة، إذ تندفع الذاكرة حسب دواعي الضغط فتتفجر بالأوجاع وتتضخم الأوجاع، فتغير حياة الفرد من حياةٍ وديعة ومتصالحة مع واقعها إلى حياة قلقة وتشعر بالوجع والأذى يصبغ سلوكها وأنظمة تفكيرها.
ويزداد ذلك سلبيةً إذا كانت المظلومية جماعيةً حيث يتكاثر ضجيج الوجع ويأخذ صيغاً عنفيةً تحاصر سبل التصالح مع الغير، وهذا الغير سيكون كل من لا يتفاعل مع أوجاع المظلومين أو من يقع حظه في الموقع الخطأ في حبكة المظلومية، مثل ما يحدث بين اليهود والفلسطينيين، من حيث إن، الفلسطينيين أصبحوا هدفاً مستهدفاً من المظلومية اليهودية، وهي الهولوكوست النازي الذي راح اليهود ضحيةً له، ليجد الفلسطينيون أنفسهم هم المسؤولين عما حدث لليهود. وهي حبكة غير عقلانية ولا منطقية ولكنها حبكةٌ صلبة ٌ ومتحدية وتتبدى غير قابلة للحل، لأن الحلول منطقيةٌ بينما الحالة غير منطقية. وهي تتصل بالذاكرة نفسها، تلك الذاكرة التي تيقظت على وعد من سياسي بريطانيا بوطنٍ قومي لليهود في فلسطين، وهنا تفتحت ذاكرة مظلومية اليهود، والذي فجرها هو وعدٌ لهم بالخلاص. وهنا اشتبكت الذاكرة مع خيط نجاة سيكون كل من وقف في طريقه هو الظالم الباغي، وسيتصرف المظلوم هنا بروح انتقامية من ظالمه (الذي لم يظلمه) لأن ذاكرة المظلومية مشوهةٌ ومكلومة ولن تفهم المنطق. وهنا تأتي الذاكرة الصناعية لتلغي الذاكرة الفطرية ويحل غير الطبيعي محل الطبيعي، وغير العقلاني محل العقلاني. وهذه صفة الذاكرة المأزومة والهوية المأزومة، وكل ذلك من فعل الذاكرة حين تنسى وتستبدل في آن واحد وتلتبس المعاني هنا دون بارقة انفكاك.
من هنا يقوم الفرق بين الظلم والمظلومية، فالظلم جنحةٌ تحدث من ظالم على مظلوم، وحلها حقوقي وقانوني. أما المظلومية فهي زلزال ينفجر في الذاكرة وبه يتم (تصنيع الذاكرة) لحرفها من ذاكرةً فطرية إلى ذاكرة مصطنعة، مما يجعل مظلومية المظلوم تقوده ليظلم من لم يظلمه أصلاً ويرى ذلك دفاعاً عن النفس. وهذا هو منطق وعد بلفور الذي يعتمد نزع أرض وطرد أهلها ليحل شعبٌ آخر محلهم، وسيكون قتل الغير وطردهم عملاً أخلاقياً لأنه عدالةٌ للمظلوم من ظالميه دون سؤال عن الظالم من هو وما هو، وهنا تتحرك الذاكرة المصطنعة لتمنح التبرير غير الأخلاقي، وبالمقلوب سيكون غير الأخلاقي هو الحق والقانون الذي تدار فيه المعاني رغم زيفها الواضح لكل ذي بصيرة. نتيجةً لتزوير الذاكرة.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض