يقول ترامب (أحب توقيعي وأفخر به)، وذلك في خطابه يوم ثلاثين سبتمبر 2025، حيث تكلّم لأكثر من ساعة مع جنرالات الجيش الأميركي، وكان فيه متجلياً وطافت به الأحاديث مستطرداً ومستعرضاً وسط صمت عسكري مطبق بانضباط مهيب، بينما كان ترامب مرتاحاً وهو يطوف في خطابه من موضوع إلى موضوع معظمها يشبه التجليات الذاتية، ومن معتاده أن يأخذ الأمور بتلقائيةٍ وانسيابية غير معتادة في خطابات السياسيين، فهو يتحدث عن ذائقته الخاصة وطريقة حياته اليومية، وأكثر ما لفت اهتمامي هو حديثه عن توقيعه، وهو توقيعٌ طويلٌ ومعقد تماماً كحال خطاباته في الطول ولكن ليس في التعقيد، وهذه المفارقة بين ما يرسمه بيده وما ينطقه بلسانه هي مفارقةٌ لافتة، فتوقيعه يشرح شخصيته في مهارة الالتواءات والالتفاف، وهي سمة في حديثه وتنويعاته الأسلوبية، وكأنه يرسم خطوط الكر والفر بحرية يختارها ويقررها بنفسه، وكلنا نعتمد توقيعاً يلازم حركة أصابعنا ولا يغادرها حتى لا نحتاج إلى النظر للورق ولا لتذكر كيف نوقع، بل إن التوقيع يأتي تلقائياً بمجرد ما نقرر أن نوقع وهو مرسوم في أذهاننا وفي لغة الجسد، ويبدو أننا نختار تواقيع تحاكي نظام حركتنا الجسدية ومن ثم تسهل علينا تحريك القلم مع التوقيع، والقلم يتولى ترجمة التجسيد الذهني للتوقيع ويحولها إلى واقع يشرح معنى كلمة توقيع في لغتنا العربية، فهي تعني تحويل شيء ذهني إلى شيء واقعي، ولا بد لهذا التحويل القسري أن يمضي بتلقائية مثل تلقائية خروج النفس من صدورنا، وهذه سيرة توقيعاتنا، ولكن حين ننظر إلى توقيع ترامب وننظر في حركاته حين تلتقط الكاميرات يده وهي ترسم التوقيع، يتبدى أن يده تتحرك بانضباط محكم لا يتماثل مع الانسيابية في خطاباته، فهو يرسم التوقيع بكامل تقاطعاته الهندسية الطويلة والمعقدة، ويمنح يده وقتاً كافياً لتحقيق الانضباط والدقة المطلقة، وفي المقابل تأتي خطاباته مغايرةً لحال توقيعه، فهو يترك نفسه تنساب مع الأحاديث والاستطرادات، ويتنقل ما بين الموضوعات دون رابط، وأحياناً دون أن تستدعيها الحال. ويندر أن يلتزم بموضوع واحد حتى وإن كان الحديث مخصصاً في الأصل لموضوع واحد، وكذلك هي حال أجوبته على الصحفيين، حيث يظل يقفز خارج مادة السؤال ثم ينصرف فجاءةً إلى سائل آخر قبل أن يكمل جوابه على الأول، ومثل ذلك تأتي مشيته خارج أنظمة البروتوكول، فلا يلتزم ببروتوكول السلوك الرسمي، كما حدث في قلعة وندسور في بريطانيا، حيث راح يمازح الحرس الملكي خارج شروط المعتاد، ويبدو أن العالم كله تآلف مع شخصية ترامب وحركاته الجسدية واللغوية، ومن ثم يتبدى التوقيع وكأنه حالةٌ سحريةٌ لإحداث الدهشة لكل من ينظر إليه وهو يوقع، وتركز الكاميرات عادةً عليه أثناء التوقيع كما حدث يوم تنصيبه، حيث وقع على عددٍ ضخم من الأوامر وهو هادئ البال رغم خطورة ما كان يوقّع عليه، وكأنه بهذا يمارس إشغال العيون كما يمارس إشغال الأسماع في كل لحظات حياته في القول وفي المشي وفي حركة اليد مع التوقيع، وهو في ولايته الثانية أشد إدهاشاً من ولايته الأولى. وتبدو عليه الثقة المفرطة في الولاية الثانية ربما لأنه أحس بالنصر منذ لحظة إعلان النتائج مع اكتساح الولايات الأميركية باللون الأحمر، وهي صورةٌ يبدو أنها مرسومة في ذهنه وتلازمه كملازمة توقيعه له، والتوقيع ومشية النصر أصبحتا أهم علامات ترامب مع قبعة ماجا (MAGA).
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض