الأحد 16 أغسطس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. سعيد الكعبي يكتب: الضجيج الداخلي

د. سعيد الكعبي يكتب: الضجيج الداخلي
29 ديسمبر 2025 14:16

 تعود من عملك متعباً، تدخل غرفتك تبحث عن قيلولة قصيرة، فتعلو أصوات أطفالك في الغرفة المجاورة، فتصرخ غاضباً تطلب من زوجتك أن تُبعدهم عنك. وفي المساء، تجلس في حديقة جميلة ظننت أنك ستجد فيها هدوءاً، لكن ضجيج عمال الطرق يفسد لحظتك، فتغادر المكان منزعجاً. تسير في الطريق فتشاهد عاملاً بسيطاً ينام تحت شجرةٍ بجانب طريقٍ مزدحمٍ بالسيارات، ورغم كل الأصوات حوله يغطّ في نومٍ عميق؟ الضجيج… رفيقنا الدائم، لا يكاد يمرّ يوم من دونه، ولكنه رغم ذلك هو ضجيج مؤقت، يمكنك السيطرة عليه أو حتى تجاهله، فهو صوتٌ خارجيّ يزول بانتهاء سببه. وفي المقابل، قد تسكن قصراً منيفاً، وتجد سريراً مريحاً، وجواً لطيفاً يخلو من أي ضجيج، ومع ذلك لا تستطيع النوم .. لماذا؟. وهل تأمل أحدنا ذلك الضجيج الذي يسكن أعماقه؟ ذلك الضجيج الداخلي الذي يصعب إسكاته أو تجاهله. ماهو الضجيج الداخلي؟ ذلك الضجيج الذي لا يُسمَع بالأذن بل يُحسّ بالقلب، ينبع من روحٍ لم تجد سكينتها، ومن ضميرٍ يرفض أن يسكت عن خطأ، ومن ذاكرةٍ تختزن ما يؤلمها أكثر مما يبهجها.هو ضجيج جرحٍ من صديقٍ قدّمت له الكثير وقابلك بطعنة في ظهرك، هو كلمة قيلت في غيابك فنقلها لك مغرض فأصابتك كالسهم، مكيدة دُبِّرت لك من قريبٍ أو صديق فتحت له أبواب قلبك قبل بيتك، هو علاقة ماتت رغم كل محاولاتك لإنعاشها. ذلك الضجيج يرافق الإنسان حيثما ذهب، يسكن صدره لا أذنيه، ويطفئ ببطءٍ أنوار الطمأنينة في داخله. لا تسكته الجدران السميكة، ولا يهدّئه الهدوء الخارجي، لا يمكنك شراء عوازل الصوت لتمنعه، ولا يمكن لمنصبك أن يصده، ولا مالك أن يشتريه، ولا لسلطانك أن يأمره. الضجيج الداخلي لم يخلق لشريحة محددة، ولا جنس معين، هو صراع قمم ومبادئ وعاطفة وندم وحسرة وحلم. سلام القلب هو المدافع الوحيد الذي يمكنك أن تعتمد عليه لتحد من الضجيج الداخلي.. ولكن هل فكرت كيف تحصل عليه؟ * تأمل: كم من مرةٍ بحثت عن الهدوء حولك، ونسيت أن الضجيج فيك لا حولك؟ كم من مرةٍ أغلقت الباب لتسكت الأصوات، ونسيت أن ما يحتاجه قلبك هو بابٌ يُفتح نحو الصفح لا يُغلق؟ وكم من مرةٍ ظننت أن السكون في المكان، فاكتشفت أن السكون الحقيقي في السلام مع النفس؟

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©