فاطمة عطفة
يشهد الأدب العربي في المرحلة الراهنة حضوراً عالمياً متنامياً عبر الترجمة والجوائز الدولية، وتحويل عدد من الروايات إلى أعمال درامية وسينمائية على منصات عالمية، وهو ما أعاد طرح سؤال العلاقة بين الكاتب العربي والمتلقي العالمي. أوجدت حالة الانفتاح الثقافي حالة شدّ وجذب بين حق الكاتب في التعبير عن تجربته المحلية بعمق وصدق، وبين تفضيل السوق الثقافية العالمية موضوعات وقوالب سردية بعينها.
ومع توسع حضور المنصات العالمية، يقف الأديب العربي أمام علامة استفهام كبيرة: كيف يصل إلى المتلقي العالمي دون أن يختزل تجربته الثقافية في صورة ذهنية جاهزة؟ محافظاً على توازنه بين الانتشار العالمي والحفاظ على الهوية.

يقول الباحث والكاتب د. محمد البشاري: إن الكاتب العربي ليس تابعاً لسلطة القارئ العالمي بقدر ما هو واقع داخل مجال شدٍّ وجذبٍ بين حقّ الداخل في سرد ذاته واهتمام الخارج بتصنيف هذه الذات.
ويتابع البشاري أن ثمّة نصوصاً تُصاغ بوعيٍ زائد لذائقة الجوائز الدولية، فتُضخِّم «القابل للتصدير» مثل الأزمات والفضيحة السياسية، ومن ناحية أخرى تُخفِّف «غير المرئي» مثل التفاصيل المعرفية وتحوّلات الفكر، لكن هذا ليس قدر الأدب العربي، فالأدب حين يكون صادقاً لا يكتب لإرضاء لجنة أو مؤسسة، بل ليعيد ترتيب الأسئلة داخل المجتمع، ثم يفتحها على أفق إنساني مشترك، مؤكداً على أن المعادلة الرشيدة هي مخاطبة العالم من داخلنا، لا مخاطبة داخلنا بلسان العالم.
ويرى د. محمد بشاري أن تحويل الروايات العربية إلى أعمالٍ كبرى على المنصات العالمية، قد منحها انتشاراً غير مسبوق، لكنه يضع السردية العربية أمام امتحان «السوق» الذي يتمثل في الإيقاع والتنميط وتبسيط التعقيد الثقافي، مبيناً أن المكسب يتحقق حين تُدار الاقتباسات بوصفها «ترجمة حضارية» لا «تسليعاً للحكاية»، وذلك بحفظ جوهر المعنى وتعظيم صوت الكاتب وتمكين خبراء الثقافة من حماية الدلالات.

ملاءمة السوق
وأوضحت الكاتبة فاطمة المزروعي أن الأدب العربي يشهد في السنوات الأخيرة اهتماماً عالمياً متزايداً، سواء عبر الترجمة أو الجوائز الدولية أو تحويل الروايات إلى أعمال درامية وسينمائية على منصات عالمية، ومن الواضح أن بعض الموضوعات تحظى بقبول أكبر لدى المؤسسات الثقافية الغربية، مثل الأزمات السياسية، وقضايا المرأة، والعنف، والصراعات الاجتماعية. وهذا الواقع دفع بعض الكُتّاب -بقصد أو دون قصد- إلى التركيز على هذه القضايا لتتلاءم مع توقعات الجوائز والسوق الثقافية العالمية. وفي هذه الحالات، لا تكون المشكلة في اختيار الموضوع، بل في تقديمه بشكل نمطي ومكرّر يفقده شيئاً من عمقه المحلي.
وأضافت المزروعي أنه ليس من الإنصاف القول بأن الأدب العربي أصبح يكتب لإرضاء الخارج. فهذه القضايا نفسها هي جزء من الواقع العربي اليومي، وهي مطروحة بقوة داخل المجتمعات العربية قبل أن تلتفت إليها العيون العالمية، مبينة أن كثيراً من الأدباء مازالوا يكتبون انطلاقاً من تجاربهم وأسئلتهم الخاصة، ثم يجد هذا الأدب طريقه إلى القارئ العالمي لاحقاً، لا العكس. أما تحويل الروايات العربية إلى إنتاجات ضخمة على المنصات العالمية فكان سلاحاً ذا حدين، فقد ساهم في توسيع دائرة القراءة والتأثير، لكنه فرض شروط السوق، بما قد يؤثر في عمق القضايا المطروحة، لذلك الرهان الأساسي هو قدرة الكاتب على الوصول إلى العالم دون أن يفقد صوته، وأن يخاطب الخارج دون أن يكتب على حساب الداخل.

خضوع انتقائي
وحول موقف الأديب العربي أمام هيمنة الغرب، ترى الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان أن الكاتب العربي المعاصر يخضع جزئياً لما يمكن تسميته «سلطة المتلقي العالمي»، لكن هذا الخضوع انتقائي ومتفاوت، مبينة أن هذه «السلطة» لا تقول للكاتب: اكتب كذا، لكنها تكافئ أنماطاً سردية بعينها، وتهمل غيرها. فإذا تساءلنا: هل هذا معناه أن الكاتب المعاصر يكتب موضوعات محددة لإرضاء الخارج؟ يمكننا الإجابة بأنه في جزء من المشهد: نعم، وذلك من خلال التركيز على القضايا التي تسترعي انتباه الغرب مثل قضايا المرأة والسجون والحروب وحقوق الإنسان وغيرهم، ومع أن هذه القضايا موجودة في عالمنا العربي، لكنها تكتب أحياناً من زاوية تفسيرية أو استعراضية، لا من زاوية التجربة الداخلية الحقيقية.
وتشير عائشة سلطان إلى أن الأدب والكاتب العربيين لم يفقدا مصداقيتهما، فهناك تيار قوي لا يزال يكتب من داخل المجتمع ومن صلب اهتماماته. وبرغم صعوبة الواقع الثقافي عربياً، فإننا لا يمكن أن نجزم بالخضوع الشامل لذائقة القارئ العالمي واشتراطاته، بل هناك تفاوض مستمر بين الصوت العربي الحقيقي وسوق الاعتراف العالمي، والأدب الحقيقي هو الذي يصل إلى القارئ العالمي دون أن مساومات.
وأضافت أن تحويل الروايات العربية لأعمال سينمائية أو درامية عبر منصات البث المباشر، قد خدم الأدب العربي من ناحية الانتشار، وأكسبه اعترافاً مؤسساتياً، فدخول المنصات الكبرى يعني اعترافاً بأن السرد العربي «قابل للتسويق»، فالمشروع الأدبي العربي مشروع مهني وليس مغامرة فردية، إلا أنه خسر في المقابل عبر تغليب منطق السوق وتهميش المشهد المحلي الحقيقي وقولبة العربي درامياً في الصورة التي يقبلها المشاهد العالمي، كما حدث مع الأدب اللاتيني والكوري.
وترى عائشة سلطان أن الخطورة ليست في المنصات، بل في أن يتخيل الكاتب الكاميرا والتصفيق والمشاهدات قبل الكلمة والجملة والفكرة الحقيقية. لقد وسّعت المنصات العالمية المساحات والفرص أمام الأدب العربي، لكنها ضيّقت بعض الأشكال السردية، كما أنها لم تخدم دائماً العمق، مشيرة إلى أن الرواية العربية اليوم تقف موقف الحيرة بين أدب يُكتب ليُشاهَد، وأدب يكتب ليفوز بجوائز، وأدب يُكتب ليُقرأ ولو بعد حين. والرهان هنا على الأدب الذي يبقى وينجو من التكييف وفقدان الهوية.

مرحلة فارقة
يرى د. عمر عبد العزيز، مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بالشارقة، أن الأدب العربي يعيش اليوم مرحلة فارقة بفضل توفر وسائل النشر الحديثة وسهولة الترجمة، مما جعل الكتاب العربي يصل إلى كل النواحي الفكرية والأدبية. كما ساهم الذكاء الاصطناعي في إزالة عقبات اللغة، مما مكن الأدباء من مخاطبة العالم بأسره. ورغم أن الجوائز العالمية الكبرى قد لا تخلو من بعض الانحيازات الثقافية، فإنها فتحت أبواباً واسعة للانتشار والتطور. مشيراً إلى أننا نعيش في عالم منفتح، والثقافة العربية بجميع تجلياتها جزء أساسي من هذا المشهد العالمي، حيث تقدم نتاجها المتنوع الذي بطبيعته يثبت حضورها الإنساني.