أصيلة البادي
وسط القاعة المحورية في «متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي» بمنطقة السعديات الثقافية، التي تستعرض مشهدية بحثية للعصر «الترياسي» و«الجوراسي» و«الطباشيري» - منذ نشأة الديناصورات وازدهارها وتنوعها وصولاً إلى انقراضها- انطلقت مهمة المخيال العلمي لزوّار المتحف وهم يتأملون أحد أفضل النماذج المحفوظة لهيكل الحفرية بعظامها الحقيقية، ويتناقشون حول فصيلة الديناصورات «تيرانوصورس رِيكس»، التي يقدر عمرها التقريبي بـ 68–66 مليون سنة.
ويشكلون جميعهم فضاءً مجتمعياً للحوار الاستثنائي الذي جمع الدكتور بيتر سي. كيرغارد، مدير متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، والدكتور لوري بيتيسون-فارغا، مديرة متحف التاريخ الطبيعي في مقاطعة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، مقدمين لـ «الاتحاد»، تصورات محلية عالمية لمعنى حضور هيكل «ستان» (نموذجاً)، الذي يظهر على جمجمته آثار عضة من «تيرانوصورس ريكس» آخر، ممثلاً فرصة قيّمة لإعادة بناء مشهد تفاعلي علمي يوضّح سلوكيات هذه الديناصورات، ودورها في بيان أثر التعاونات المتحفية الدولية، وتسخير «قوة علم المجتمع والتعاون العالمي»، للمساهمة في حماية الطبيعة، في عالم سريع التغير.

المسؤولية المشتركة
«العلم» و«المجتمع» هما المحركان الرئيسيان للبحوث العلمية، تأكيدٌ أشار إليه الدكتور بيتر سي. كيرغارد، مبيناً أننا نتحدث هنا عن فرق عمل محلية من متحف التاريخ الطبيعي تتعاون مع فرق بحثية عالمية، مثل مركز التنوع الحيوي «ناتورالس» في هولندا، وذلك على مستوى العرض الأول المتنقل لقطيع كامل من عائلة الديناصورات (فصيلة الترايسيراتوبس) من العصر الطباشيري، وهو ما يمثّل بالضرورة تحوّلاً للمجتمع المتحفي المحلي.
وتابع قائلاً: «لنا أن نتصور مستوى التخصصات المتحفية التي نشأت منذ بدء نشاط المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، وزيادة حصص الوظائف المتحفية، وأبعاد أثر ذلك على المكتشفين الصغار، وتأسيس جيل من العلماء والباحثين، إنه تغير في جوهر النقدية العلمية للممارسة المتحفية في المنطقة ككل».
واستمر الدكتور بيتر سي. كيرغارد في توضيح المسارات التقنية للمنصات العلمية المجتمعية، وتحديد ما أسماه بـ«المسؤولية العلمية المشتركة» التي تُثري التجارب المتحفية حول العالم، ومنها منصة «iNaturalist»، وهي شبكة اجتماعية عالمية تتيح لأي شخص تصوير الكائنات الحية، وتساعد على التعرف إلى النباتات والحيوانات، وفي الوقت ذاته توليد بيانات تخدم البحث العلمي والحفاظ على البيئة. ويشرح قائلاً: «يمكن لأي شخص تحميل صوره إلى النظام»، موضحاً كيف تتجمع آلاف الملاحظات العابرة لتتحول إلى بيانات بمستوى البحث العلمي، واصفاً الأمر بأنه يخلق صورة شاملة للتنوع البيولوجي عبر المدن والمناطق، وهي معلومات لا يمكن لفرق البحث التقليدية وحدها جمعها بهذا الحجم.

من جهتها، أكدت الدكتورة لوري بيتيسون-فارغا، مديرة متحف التاريخ الطبيعي في مقاطعة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، أهمية انفتاح المتاحف على مجتمعاتها، قائلةً: «لدينا علماء متخصصون في مجالات مختلفة، لكن لدينا عالم زواحف واحد فقط. ومع علم المجتمع، يمكن لآلاف الأشخاص في أنحاء المدينة المساعدة في تتبُّع الأنماط، خاصة للأنواع الغازية، وهذا أمر لا يُقدّر بثمن».
وأوضحت أن هذا النهج يقود مبادرات دولية مثل «تحدي طبيعة المدن»، وهو مسح بيولوجي عالمي يشارك فيه السكان بتوثيق النباتات والحيوانات والفطريات باستخدام «iNaturalist»، وقد تحوّل هذا الحدث إلى جهد عالمي يعبئ آلاف المشاركين في دول عدة، منتجاً ملايين الملاحظات حول التنوع البيولوجي. وبالنسبة للمتاحف، لا تقتصر هذه الجهود على جمع البيانات فحسب، بل تعزّز أيضاً روح المسؤولية، محولةً المراقبين إلى حماة فاعلين لبيئاتهم المحلية.
الصمود بدلاً من الانقراض
بالقرب من الحضور المضيء للتراث الأحفوري لمنطقة بينونة في الظفرة بأبوظبي بمتحف التاريخ الطبيعي، كونها تُمثّل أهم المواقع الجيولوجية التي تعود للعصر الميوسيني المتأخر في شبه الجزيرة العربية، وتتميز بكونها تجمع بين العظام المتحجرة وآثار الأقدام، وبينما نعود بالحديث إلى البصمات المتحجرة للأفيال وحيوانات أخرى في الطين المتصلب، سردت الدكتورة لوري بيتيسون-فارغا في هذه الأثناء: «ارتبط الكثير من تاريخ الطبيعة بالانقراض، لكن الصمود لا يقل أهمية، نحن نتعلم من الأنواع التي نجت».
وأشارت بيتيسون-فارغا إلى حيوانات مثل القيوط وبعض أنواع النباتات في لوس أنجلوس، التي تجاوزت انقراضات جماعية قديمة بفضل قدرتها على التكيف - وهي دروس تُسهم اليوم في كيفية تفكير المجتمعات في النظم البيئية في ظل تغير المناخ.

مكانة فريدة
شكّل الدور المتنامي لأبوظبي في المشهد العلمي العالمي، ومكانتها الفريدة كمركز صاعد للتبادل العلمي والثقافي، المحور الاستراتيجي في مخرجات الحوار البحثي بين الدكتور بيتر سي. كيرغارد والدكتورة لوري بيتيسون-فارغا. ومن جانبها، أوضحت الدكتورة لوري أن هناك فائدة كبرى من افتتاح متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، كونه غير مقيد بالأنماط التقليدية للمشاريع العلمية العالمية، مما يجعل الاحتمالات أمامه لا حصر لها. وأضافت أن المتحف قادر منذ بداياته على رسم هويته محلياً ودولياً، قائلة: «هنا، تتاح لك فرصة تحديد الإطار الذي يجعلك جزءاً من المجتمع المحلي ومنصة دولية في آن واحد».
تلاحم الكوادر
رأى كيرغارد أن قوة المتحف تكمن في تلاحم كوادره مع موقعه الجغرافي، قائلاً: «أحد الأمور الاستثنائية في أبوظبي هو وجود العالم بأسره هنا، فدائماً ما تجد من يفكر بطريقة مختلفة، وهذا يمنحك إلهاماً متجدداً كل يوم». وأشار إلى دور الكفاءات الإماراتية في تشكيل مستقبل المؤسسة، مبيناً مدى حماسهم لما سيقدمه المتحف وللفرص التي سيخلقها.

كما أكد كيرغارد أن هذا الانفتاح والتنوع ضروريان لبناء متحف يخاطب المجتمعات المحلية والجمهور العالمي على حد سواء، واختتم حديثه بقوله: «لقد اعتدنا الفصل بين الفن والثقافة والعلم، لكنها في الحقيقة مترابطة، وجمعها معاً هنا يخلق كياناً بالغ التأثير والقوة».
نهج متكامل
اعتبرت الدكتورة لوري بيتيسون-فارغا أن هذا النهج المتكامل يعكس رؤية أبوظبي الأوسع، وتابعت: «نادراً ما نرى هذا العدد من المؤسسات الثقافية متقاربة بهذا الشكل، وهذا ما يعزّز فرص التعاون». وتابعت تأكيدها أنه مع تطور متاحف التاريخ الطبيعي حول العالم، تتضح رسالتها في أن فهم العالم الطبيعي ليس حكراً على الخبراء، بل هو جهد جماعي مشترك، وفي أبوظبي، وبين الأحافير والمعارض، يتردد صدى هذا المعنى بقوة، ليس كمنطلق علمي فحسب، بل كدعوة مفتوحة لكل زائر للمشاركة والتفاعل.