محمد عبدالسميع (الشارقة)
من الجميل أن ينتبه الفنان التشكيلي، أسوةً بالفنانين في القطاعات الإبداعية الأخرى، إلى المواضيع الاجتماعية والإنسانية، فيصوغها في لوحات تشكيلية ناطقة بالتأمل والحركة، تستوقف الزائر والباحث عن المعنى.
وقد ذهبت الفنانة التونسية د. دلال الصماري في معرضها «بين»، الذي افتُتح في النادي الثقافي العربي بالشارقة، إلى استثمار مادة «الصوف» والدلالات التي يستمدها المتلقي من هذه المادة؛ في هشاشتها، وضعفها، وتماسك خيوطها أو انفلاتها. ويرمز عنوان المعرض إلى تلك المنطقة «البينية» التي لا تستقر على حال، وتدعونا للتفكير في حيواتنا، وأعمارنا، ومدى حضورنا الإنساني، وذلك من خلال تأمل رمزية الصوف.

استفادت الصماري من موهبتها الفطرية، ومن كونها أستاذة جامعية في الفن التشكيلي، وباحثة وناقدة لها حضورها في المجال الإعلامي الفني؛ فاتجهت إلى معاينة الإنسان المعاصر، وقراءة عوالمه الداخلية وصفاته العامة. وقد استنطقت مادة الصوف التي وجدتها معبّرة، بأشكالها ومعانيها، عن حياة الإنسان وتحولاتها بين الفرح والحزن، والأمل واليأس، والعسر واليسر؛ فكانت منطقة الـ «بين» بمثابة منطقة وسطى تتأرجح بحسب تغيرات الظروف ومستجدات الحياة.
كان اختيار الفنانة الصماري لمادة الصوف موفّقاً، بحسب ما أجمع عليه الحضور المتنوع من فنانين وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين؛ نظراً لحضور هذه المادة في وجداننا، ولأهمية الالتفات إلى ما يحيط بنا من مواد بسيطة يمكن استثمارها في أعمال فنية ذات أبعاد ودلالات عميقة. وقد استلهمت الفنانة هذا التوجه من تراثها التونسي، ومن اشتغال والدتها بمهنة النسيج، صاقلةً ذلك بما اكتسبته من خبرات وتخصص أكاديمي في الفن التشكيلي.
وفي الختام، تدعو الصماري الأدباء والفنانين إلى الالتفات لبيئاتهم واستنطاق التراث؛ لاستنباط أعمال فنية أو أدبية تعبّر عن الواقع وتخفف من وطأة آلامنا تجاهه.
لقد كان المعرض محاولة لبيان مدى قدرة الإنسان المعاصر على الصمود أمام متغيرات الحداثة والتكنولوجيا، أو الانكسار أمامها، مسلطاً الضوء على «اغترابنا» عن ذواتنا وواقعنا؛ وهو ما جسّدته الفنانة في تركيبات الصوف وأشكاله الهندسية التي بدت «هلامية» بلا ملامح، تدعونا للتأمل وقراءة الذات.