فاطمة عطفة (أبوظبي)
أطلق متحف اللوفر أبوظبي تجربة استثنائية تمزج بين سحر التاريخ وجمال الحواس عبر مبادرته العطرية «عبير الفنون»، والتي تُقدم لزوّار المتحف يومي الخميس والسبت من كل أسبوع، ليستنشق زوّار المتحف عبر كتيب «عبير الفنون» روائح وعطوراً مستلهمة من اللوحات الفنية، من خلال تقنية «الكبسلة الدقيقة» (Micro-encapsulation) التي تستخدم لأول مرة في الشرق الأوسط، بمشاركة خبراء صناعة العطور من دار «جيفودان» العالمية، غايل مونتيرو وداليا إيزم.
توقّف الزوّار في قسم «الآثار المصرية»، أمام منحوتة لملكة تعود للفترة (360-282 ق.م)، حيث أُعيد إحياء عطر تاريخي، بمثابة وصفة مصرية قديمة غامضة كانت تُستخدم في المعابد وللاستشفاء، وتتكون من مزيج المر، زيت التربنتين، والعسل، لتعيد صياغة التاريخ في تجربة حسية عابرة للزمن.

وتستحضر لوحة «ملاك يحمل مبخرة»، للفنان برنهارد شترغل (1520)، قدسية طقوس البخور القديمة، مجسّدةً جوهر التواصل الروحي عبر مزيج عطري من اللبان والراتنج، وفي المقابل، تنقلنا ريشة جيريمي بلوم (1628) إلى دفء المطبخ الريفي عبر لوحة «حجر المؤن»، حيث تتشابك روائح الخبز المحمّص والأجبان في أجواء دافئة. بينما ترسم «كنوز أزهار إزنيق» (1545-1590)، مشهداً طبيعياً ناطقاً برحيق التوليب والقرنفل، ممزوجاً بنفحات السوسن الناعمة، لتعكس إبداع الطبيعة في أبهى صورها.
تستمر الجولة مع لوحة «الأمير يدخل غابة الخلنج» (1869) لإدوارد بورن جونز، حيث يتشابك عبير الورد مع خشونة العوسج والمعدن، في مشهد يجسّد انتصار الشجاعة على أشواك الخوف. ومن سحر الأساطير إلى رقة الأنوثة، يستحضر عطر ‘فنجان الشوكولاتة’ (1877) لرينوار نفحات الورد والبنفسج والكاكاو، ليعكس نعومة فستان السيدة ودفء مشروبها في آن واحد. وتنتقل الأجواء إلى الكلاسيكية الذكورية في لوحة ‘لعبة ورق البيزيغ’ (1880) لغوستاف كايبوت، بتركيبة عطرية ثقيلة من التبغ والجلد والخشب تُحاكي غبار القاعات وورق اللعب العتيق. وتتجلّى المعاصرة في عمل مها الملوح «المعلقات» (2013)، حيث تمتزج رائحة الأرز المحترق والتوابل مع النفحات المعدنية للأواني، في تحية عطرية للحظات الطبخ وتجمع النساء تحت دفء النار.
وأوضحت نورة محمد المنصوري، الموظفة المتحفية في لوفر أبوظبي، أن المتحف اعتمد تقنية «الكبسلة الدقيقة» (Micro-encapsulation) التي تقدم لأول مرة في الشرق الأوسط؛ حيث تنبعت عبر صفحات كتاب «عبير الفنون» رائحة فريدة مستوحاة من عمل فني محدد ضمن مجموعة المتحف، ومن خلال هذه تقنية تم دمج الروائح مباشرة في صفحات الكتيب، وذلك بالتعاون مع شركة «جيفودان» العالمية، حيث استلهم خبراء العطور تركيباتهم من روح اللوحات الفنية المختارة، مؤكدة أن «لغة الروائح هي لغة عالمية عابرة للثقافات»، وأن لوفر أبوظبي يحرص دائماً على ريادة التقنيات التي تدمج الفن بالحواس.
وحول التجربة الحسية للمشروع ومحاكاة اللوحة الفنية عطرِيّاً، أوضحت خبيرة العطور داليا إيزم أن تحويل اللوحات إلى عطور هو جسر بين الفن والذاكرة، مشيرة إلى أن عطر «غداء للفكر» المستوحى من عمل الفنانة السعودية مها الملوح، لم يكن مجرد تركيب كيميائي، بل استحضاراً لدفء الجدّات. واستلهمت إيزم رائحة عطرها من الرموز التراثية، حيث استخدمت توليفة غنية من التوابل الشرقية كالكزبرة والكمون والقرفة، لتعكس كرم الضيافة العربي. وتمثّلت اللمسة الجوهرية في العطر من خلال النوتات الخشبية المدخّنة التي تحاكي اشتعال النار تحت الأواني القديمة، مؤكدة أن هذه الروائح تلامس الوجدان وتؤصّل لقيم التراحم والتجمع الأُسري التي ميّزت بيوتنا قديماً.
لم تكن علاقة صانع العطور غايل مونتيرو في «جيفودان» بالروائح وليدة الصدفة، بل بدأت منذ كان شاباً في السابعة عشرة، مسترجعاً ذكرياته في منطقة الخليج التي عاش فيها لسنوات، مؤكداً أن سحر «اللوفر أبوظبي»، بتصميمه المعماري المحاط بالمياه، كان يلهمه قبل أن يبدأ التعاون الرسمي مع المتحف، ووصف فكرة «تجسيد اللوحات عطرِيّاً» بأنها مشروع طموح لتحويل الورق إلى منصة حسية، حيث تتيح التقنية الجديدة للجمهور استنشاق روح العمل الفني المطبوع، في خطوة تعزّز الترابط الإنساني وتلغي الحدود بين الفنون المختلفة.