محمد عبدالسميع (الاتحاد)
يُعدّ كتاب «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي.. حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، للدكتور هشام عبد العزيز، إضافة نوعية في مجال الدراسات التراثية، حيث يسلّط الضوء على إشكاليات تحقيق النصوص الشعبية وآليات التعامل معها علمياً ومنهجياً. الكتاب، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، يقدّم خلاصة تجربة تمتدّ لثلاثة عقود من العمل الميداني والمعرفي في هذا الحقل.

يرى المؤلف أن تحقيق التراث الشعبي ليس مهمة يسيرة، ولا يمكن حصره في الأُطُر الأكاديمية التقليدية، بل يتطلب معرفة عميقة ومعايشة يومية لهذا التراث بوصفه كياناً حياً ومتجدداً. ويؤكد أن هذه العملية تُمثّل مزيجاً من الأدوات العلمية والخبرة التراكمية، بما يتيح التعامل مع النصوص التراثية بروح غير تقليدية.
يتناول الكتاب عدداً من المحاور الأساسية، من بينها حدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي، والبنية والمفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي، بالإضافة إلى نماذج تطبيقية قام بها المؤلف في تحقيق مخطوطات تراثية وشعبية.
وللدكتور عبدالعزيز إسهامات عديدة في هذا المجال، من أبرزها «ألف ليلة وليلة.. حكايات أخرى»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية.. جدل النوع وجغرافيا التداول»، وغيرها من المؤلفات.
ويشدّد المؤلف على أهمية دور المحقق، من حيث التخصص العلمي والموضوعية، في فهم النصوص الشعبية ودلالاتها الحقيقية، محذِّراً من الفوضى التي قد تنتج عن غياب هذه الشروط. كما يلفت إلى خصوصية النصوص الشعبية التي قد تفتقر إلى مؤلف محدد، ما يستدعي دراسة ما يسميه «المجال الحيوي» للنص، من حيث زمن تلقيه، وجغرافية انتشاره، والخلفية المعرفية لناسخه أو مدوّنه.
وفي السياق الإماراتي، تبرز أهمية تحقيق مخطوطات التراث الشعبي في حفظ الهوية الثقافية وتقديم نصوص دقيقة وموثوقة، في ظل وجود مؤسسات متخصصة تعنى بهذا المجال، وفي مقدمتها معهد الشارقة للتراث، الذي تزخر مكتبته بكتب وإصدارات قيّمة ومتنوعة في هذا المجال.