محمد عبدالسميع (أبوظبي)
يظلّ التوحّد حالة تحتاج إلى فهم أعمق ورؤية أكثر إنسانية وموضوعية للتحديات المصاحبة لها، وقد أثبت كثير من الأشخاص من ذوي التوحّد قدرتهم على تحقيق إنجازات لافتة في مجالات الفنون والآداب والعلوم وغيرها، ومن هذا المنطلق، تتناول الأخصائية نيلا البادي في كتابها استثنائي الدماغ.. التوحد واضطرابات التواصل هذا الموضوع بأسلوب يجمع بين البعد العلمي والرؤية الإنسانية، بما يسهم في تقديم فهم أكثر مرونة وعمقاً لهذه الحالات.
وعند قراءة الكتاب من زاوية التعاطف والوعي، يمكن اعتباره دعوة إلى التأمل في فلسفة التوحّد، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والاستنتاجات السريعة، فهو يدعو إلى النظر إلى الجوانب الإيجابية والقدرات الاستثنائية التي قد يمتلكها المصابون بالتوحّد، بوصفها عناصر تستحق التقدير والاهتمام، وتؤكد أهمية الإيمان بإمكاناتهم وتفرّدهم في مجالات عديدة.
ويضم الكتاب فصولاً تتناول أساليب بديلة للتواصل، مع التركيز على التفاعل الجوهري والفعّال مع الأشخاص المصابين بالتوحّد. كما يورد شواهد وعبارات تحفّز على اكتشاف ما هو إبداعي في هذه التجارب الإنسانية، ومن بينها العبارة اللافتة: «أُصبتَ بالتوحّد، لكنك أفضل لاعب في العالم»، وهي عبارة تستحضر الطاقات الكامنة لدى الفرد، وتدعو إلى تجاوز النظرة النمطية والأحكام المسبقة التي قد تحدّ من تقدير قدراته الحقيقية.
وكثيراً ما تتقاطع المعالجة العلمية مع البعد الإنساني عند تناول التوحّد، سواء في فهم الحالات أو في اكتشاف الفروق الفردية التي تجعل كل تجربة فريدة من نوعها، فالدماغ المتفرّد، كما يوحي عنوان الكتاب، يستحق التأمل والقراءة المتأنية لاكتشاف عوامل إضافية قد تعزز الإبداع والتميّز، وربما يكون التشابه هو الحالة الأكثر شيوعاً، بينما يفتح الاختلاف أبواباً جديدة لفهم أوسع وأكثر ثراءً.
ومن الأفكار التي يطرحها الكتاب أن التوحّد ليس نهاية الطريق، بل بداية مختلفة قد تحمل فرصاً للإدهاش والإنجاز، لذلك يجب أن يتجاوز التعامل مع المصابين بالتوحّد المظاهر الخارجية إلى فهم أعمق لعوالمهم الداخلية، انطلاقاً من رؤية تؤكد أن التوحّد ليس مجرد إعاقة، بل طريقة مختلفة في الإدراك والتفاعل مع العالم.
وعلى هذا الأساس، يصبح الاختلاف قيمةً مرتبطة بالإبداع والتميّز، لا سبباً للعزلة أو التهميش. ومن ثمّ، فإن الحفاظ على جسور التواصل مع المصابين بالتوحّد، والالتفات إلى قدراتهم ومواهبهم، يعدّ خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر وعياً وإنصافاً، يقدّر التنوع الإنساني ويحتفي به.