فاطمة عطفة (أبوظبي)
استضافت مؤسسة «بحر الثقافة» جلسة نقاشية حول رواية «ملمس الضوء»، بحضور الكاتبة نادية النجار، ومجموعة من المشاركات في الفعاليات الأدبية والثقافية بالمؤسسة.
وأدارت الجلسة الروائية مريم الغفلي، التي رحّبت بالكاتبة، مؤكدة أن «بحر الثقافة» يواصل احتفاءه بالإبداع والأدب من خلال استضافة الكتّاب والمبدعين. وطرحت تساؤلاً حول مدى نجاح الكاتبة في إيصال رؤيتها عبر هذه الرواية، لا سيما بعد وصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2025.
سؤال مفتوح
وقالت نادية النجار إن سؤال الوصول إلى ما يريده الكاتب من عمله الإبداعي يظل سؤالاً مفتوحاً، وأضافت: «كلما كتبت ازددت حيرة، فالحياة مليئة بالأسئلة، بينما نظن أحياناً أننا امتلكنا الإجابات، لا يزال الكثير من الأسئلة يشغلنا، وأنا أحب طرح الأسئلة على الآخرين وعلى نفسي أيضاً، لأن طرح السؤال في رأيي أهم من الإجابة عنه».
وأشارت إلى أن هذا التوجه ينعكس كذلك في كتاباتها الموجّهة للأطفال، حيث تسعى إلى تحفيز الطفل على التفكير والتأمل بدلاً من تلقينه الإجابات الجاهزة، وأوضحت أن لكل كاتب تجربته الخاصة وقراءته المختلفة للحياة، وهو ما يدفعه إلى اختيار موضوعات وأفكار مغايرة للكتابة عنها، مؤكدة أن هذا التنوع يمثّل أحد أهم عناصر جمال الأدب.
الأدوات الإبداعية
وحول تطور أدوات الكاتب الإبداعية، أكدت النجار أن القراءة تُمثّل الركيزة الأساسية لتطور الكاتب، وقالت: «لا أستطيع الاستمرار أو التطور في الكتابة من دون القراءة»، وأضافت أن الكاتب يحتاج إلى الاطلاع على الرواية والقصة والشعر والفلسفة وعلم النفس والتاريخ، موضّحة أنها تميل أكثر إلى قراءة التاريخ، وتحرص كذلك على متابعة المستجدات في مجال الأدب والاطّلاع على التجارب الإبداعية المختلفة، خصوصاً الأدب المترجم. وأكدت أهمية الانفتاح على الثقافات الأخرى وتبادل الخبرات بين الكتّاب، مشيرة إلى مشاركتها أخيراً في معرض وارسو للكتاب، حيث التقت عدداً من الكتّاب البولنديين وتبادلت معهم الحوار حول الأدب والثقافة، معتبرةً أن التفاعل الثقافي يمثّل ضرورة لكل كاتب يسعى إلى توسيع آفاقه الإبداعية.
رؤية نقدية
وخلال الجلسة، قدّمت فائقة النعيمي قراءة نقدية للرواية، مشيرة إلى أن الكاتبة تتحدث فيها بلهجة الشاهد لا المؤرخ، إذ تُركّز على التفاصيل الإنسانية والانطباعات والمشاعر العميقة أكثر من تركيزها على السرد التوثيقي، وأضافت أن الرواية تكشف قدرة لافتة على استحضار المواقف واستعادة الذاكرة، كما تتناول في مساراتها الفكرية والفلسفية موضوعات العبودية والحرية وقسوة التجربة الإنسانية والانكسارات النفسية التي ترافق لحظات التحرر، وما يواجهه الإنسان من تحديات.
مفارقات
وأعربت خديجة القدسي عن إعجابها بالرواية، مشيرة إلى أن من أبرز مفارقاتها أن بطلتها تحمل اسم «نورة»، رغم أنها لا تستطيع رؤية النور بعينيها، لكنها تمتلك بصيرة نافذة تمكّنها من إدراك ما قد يعجز كثير من المبصرين عن رؤيته.
وأضافت أن الرواية تستحضر دبي والإمارات في مرحلة ما قبل النفط، حين تشكّلت ملامح المجتمع من البحر والتجارة والعلاقات الإنسانية الدافئة، وهو ما منح العمل بُعداً تاريخياً وإنسانياً أعاد إحياء مرحلة مهمة من الذاكرة المحلية بتفاصيلها الاجتماعية والجمالية.
استكشاف الحواس
أكدت الروائية آن الصافي أن نادية النجار تنسج في «ملمس الضوء» عالماً سردياً يقوم على استكشاف الحواس والذاكرة والتحولات الاجتماعية، من خلال بناء روائي يزاوج بين البُعد الإنساني والتوثيق الثقافي.
وأوضحت أن الرواية تطرح سؤالاً محورياً حول ماهية الإدراك الإنساني عبر شخصية «نورة»، الفتاة الكفيفة التي تُعيد تشكيل العالم اعتماداً على اللمس والسمع والشم، لتتحول هذه الحواس إلى أدوات لإنتاج معرفة مختلفة بالوجود، وأضافت أن الرواية لا تتعامل مع العمى بوصفه فقداناً لحاسة البصر فحسب، بل باعتباره تجربة تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه. وقالت إن العالم الذي تعيشه نورة لا يقوم على الصورة المرئية، بقدر ما يقوم على الأثر والإيقاع والرائحة والملمس، وهو ما يفتح المجال أمام تأمل أعمق في حدود المعرفة البشرية وقدرة الإنسان على تعويض ما يفقده من إمكانات ظاهرة بقدرات كامنة أكثر عمقاً وتأثيراً.