محمد عبدالسميع (أبوظبي)
لأنَّ الرواية العربية دائماً ما تكون مشغولةً بالهوية الثقافية لجملة الأسئلة المطروحة خلالها، وفق أسلوب الكاتب ومشتملات هذه الرواية في عناصر الزمان والمكان والأشخاص ومسرح الأحداث، فإنّ الكاتبة والفنانة التشكيلية مريم الزرعوني، في روايتها الأولى «سنوات المَغَر»، قرأت إنسانية هذه الهوية ومساراتها، وذات الإنسان حين تكون مدعاةً للتساؤل وقراءة الواقع.
وتتناول الرواية موضوع غربة البطل «غريب»، وإحساسه بالحيرة أمام هُويَّته التي تُمتحن بانعدام الوثيقة المؤكّدة لوجوده، والتي تجعل من الاعتراف به أمراً مشروعاً، ومن هنا فقد كانت الثيمة أو الفكرة العامة لهذه الرواية قراءة تاريخ المنطقة وتحولاتها الاجتماعيّة، من خلال قصّة «غريب» المولود في إمارة الشارقة في زمن مسبق لمرحلة تشكُّل الهويات الخليجية، فيكون العمل بذلك مضيئاً على رحلة البطل والتحولات الجارية حوله، والتي غيّرت من اليقينيات الموجودة في نفسه، وطريقة تعامله معها بطبيعة الحال.
قرأت الزرعوني في هذه الرواية رؤية الفرد للآخر ومحددات هذه الرؤية، وأدوار اللغة والجغرافيا والتجارب الإنسانية، في اهتمام واضح، كما تقول المؤلفة، بالعنصرين الاجتماعي والاقتصادي، وفترة تنوّع المهن بين الغوص والصيد والحرف التقليدية قبل اكتشاف النفط، قاصدةً تشكيل الوعي بهذه المسائل الذاتية والإنسانية التي تضطلع بها الرواية، باعتبار الهوية وفق رؤيتها موضوعاً أشمل من الجغرافيا، نحو مسألة الوعي بين الأمس واليوم وفهم المجتمعات لفترات أصالتها وحداثتها، والمتغيرات المستجدة على هذه النماذج، وتحولاتها عبر الفترات الزمنية الموضوعية لهذا التحوّل. عملت الكاتبة الزرعوني على خيال الشخصية والأحداث، والتأثير النفسي وفق تشويق فترات التطوّر التي لحقت بالبطل «غريب»، من عامل في منجم «المغر» إلى صاحب تجارة ووكيل أقمشة في أسواق الخليج، لتقرأ هذا البطل في صفته الذاتية وشعوره النفسي، على الرغم من غناه المادي، بالانكسار الوجودي، وهو ما يطرح أسئلة الانتماء والاغتراب، كأسئلة موجودة بحكم تطوُّر الدول والمجتمعات.
وفي السرد الروائي، اعتمدت الزرعوني على عناوين عكست ذات بطل العمل الفاقد لمتن تسجيله في الأوراق، ومأساته بأكثر من عين عبَّر عنها تعدد الأصوات لشخصيات الرواية والأمكنة البارزة بأسلوب يعكس الضياع والغربة والشعور بفقدان الكيان في عالم لا يعترف إلا بالأوراق الرسمية.
استفادت الزرعوني من عملها في الفن التشكيلي، لإثراء الرواية بدلالة اللون الأحمر للتراب ورمزيته، ومحاولة البطل معالجة جرح قدمه بهذا التراب، مع تأكيدها كروائيّة، أنّها تعالج مسألةً مهمّةً بعين الخيال، وضمن مساحة الروائي الكبيرة في خلق الشخصيات وتوسيع مداها، لتتوهّج هذه الأسئلة الإنسانية بعين الرواية، كفنّ أدبي مفتوح على أكثر من موضوع.