السبت 10 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«حكايات على حافة الماء».. سرديات المكان والوجوه

غلاف الكتاب
10 أكتوبر 2026 00:31

هزاع أبوالريش (أبوظبي)
صدر حديثاً «حكايات على حافة الماء ـ أصيلة.. البيت والأهل والعابرون» للمؤلف إسماعيل حيدر عن دار «أفريقيا الشرق» في الدار البيضاء.
لا يقدم الكتاب تاريخاً لمدينة، ولا دليلاً إليها، ولا سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، وإن استعار من كل منها بعض أدواته، متنقلاً بين أدب الرحلة والسيرة والبورتريه والتأمل. حمل الكتاب سؤالاً مهماً حول ماهية المكان والإنسان حين يطول التعارف بينهما؟ وما الذي يبقى من المدينة بعد أن تنتهي الرحلة وتتباعد الطرق؟
بدأت الحكاية صيف عام 2013، حين قصد إسماعيل حيدر، "أصيلة" للمرة الأولى مشاركاً في موسمها الثقافي الدولي. كان يمكن للزيارة أن تنتهي ببعض الصور والانطباعات، غير أنها استدعت زيارة ثانية وثالثة، ومع توالي الأعوام، تعددت الزيارات، ولم تعد المدينة مجرد موعد سنوي، بل مكاناً يعرف الكاتب وجوهه ودروبه ومقاهيه، ويعقد فيه صداقات أطول عمراً من زمن الزيارة. وهكذا تنتقل أصيلة، صفحة بعد صفحة، من الجغرافيا إلى الذاكرة، ومن مدينة تُزار إلى مكان يُعاش، ثم إلى بيت معنوي تتسع غرفه للوجوه والحكايات والعابرين.
ألفة التفاصيل
لا يبحث المؤلف عن مدينة أصيلة في معالمها الكبرى وحدها، بل يدنو منها عبر التفاصيل التي تصنع ألفة المكان: البحر والسور، الأزقة والبيوت البيضاء، المقاهي والكورنيش، رائحة الصباح، والغروب حين يهبط على الأسوار المطلة على الأطلسي. فالأمكنة هنا ليست خلفيات صامتة، بل عناصر فاعلة تحفظ الأصوات والخطوات وتستدعي الغائبين. وتحضر الجدران صفحات مفتوحة حوّلها الرسامون، على امتداد عقود، إلى لوحات صارت جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها.
أما الموسم الثقافي فهو الباب الذي دخل منه الكاتب إلى أصيلة، لا حدود الحكاية ولا غايتها. فما إن تتوطد العلاقة حتى تغادر المدينة، في السرد، قاعات الندوات والمعارض إلى الشارع والبيت والمقهى والبحر، حيث تتكشف وجوهها الأكثر حميمية. هناك، بعيداً عن البرامج والمواعيد الرسمية، تصبح اللقاءات العفوية والصداقات والتفاصيل اليومية مادة لحكايات لا تنشغل بالحدث الثقافي بقدر انشغالها بما يتركه من أثر في الوجدان.

  • إسماعيل حيدر
    إسماعيل حيدر

الذاكرة تعيد ترتيب الزمن
يتألف الكتاب من استهلال واثني عشر فصلاً وخاتمة، غير أن فصوله لا تخضع لتسلسل زمني صارم. فالذاكرة لا تستعيد الأشياء وفق ترتيب وقوعها، مشهد يستدعي وجهاً غاب منذ سنوات، وجلسة في مقهى تفتح باباً على زيارة سابقة، وطريق قديم يعيد أصوات الذين مرّوا به. بهذا البناء المتداخل يحاكي النص حركة التذكّر نفسها، فيتحرك الزمن في دوائر من الذهاب والإياب، تماماً كما تتحرك علاقة الكاتب بالمدينة بين الوصول والمغادرة والعودة.
ومن أصيلة تتشعب الطرق إلى طنجة وتطوان وشفشاون وفاس ومكناس وإفران والرباط والدار البيضاء ومراكش. غير أن اتساع الخريطة لا يبدد مركزية المدينة، فالكاتب يبتعد عنها ليعود إليها، وكأن المدن الأخرى محطات في رحلة تبدأ من ذلك البيت المطل على الماء وتنتهي إليه.
ومن هنا يمكن قراءة العمل أيضاً بوصفه كتاباً في أدب الرحلة، لكنه لا ينشغل بتعداد المعالم بقدر انشغاله بما تتركه الأمكنة في نفس المسافر. فالطريق لا يُقاس بالكيلومترات، بل بالوجوه التي نصادفها، والصداقات التي تبدأ مصادفة، والمشاهد التي نظنها عابرة قبل أن نكتشف، بعد سنوات، أنها استقرت في الذاكرة.
شعرية الوصف والتأمل
تتجلى في هذه الصفحات خبرة إسماعيل حيدر الصحفية الطويلة، من دون أن تطغى على الطبيعة الأدبية للنص. فعين الصحفي تلتقط الوجوه والتفاصيل والمشاهد، لكنها تترك للسارد أن يعيد تشكيل ما رآه بعد أن مرّ عليه الزمن، واكتسب في الذاكرة دلالات جديدة. وفي المسافة بين المعاينة والاستعادة تتشكل لغة تتجاور فيها دقة الملاحظة مع شفافية الصورة، ويمتزج فيها الوصف بالتأمل من دون أن يفقد السرد عفويته.
ولا تقوم المشاهد على الوصف البانورامي وحده، بل تتشكل من التفاصيل الجزئية التي تمنح المكان حضوره الإنساني. أما الشخصيات، من أهل المدينة وعابريها، فلا تدخل الحكايات محمّلة بسيرها الكاملة، وإنما بما تتركه من أثر في المكان وفي ذاكرة الكاتب. ومن هنا يصبح الوجه مدخلاً إلى حكاية، وتتحول الجلسة العابرة إلى استعادة، ويغدو الطريق مناسبة للتأمل في معنى الرحيل والعودة.
ولعل ما يميز هذه الكتابة أن الوصف لا يستقر عند حدود المرئي، بل ينفتح على ما يثيره المشهد من أسئلة وذكريات. وهكذا تتحرر الواقعة من صرامة التقرير، من دون أن تتخلى عن واقعيتها، وتكتسب عبر اللغة أبعاداً تتجاوز لحظة حدوثها. فالكاتب لا يكتفي بما رآه في أصيلة، بل يستعيد ما بقي من ذلك المرئي في داخله، بعد أن انقضى زمن المشاهدة.
أصيلة في مرايا الآخرين
ولأن المدن لا تسكن ذاكرة شخص واحد، ولا تختصرها عين مهما اتسعت قدرتها على الرؤية، يضم الكتاب ثماني عشرة شهادة لكتّاب وشعراء وفنانين وإعلاميين عرب وأجانب، عرفوا أصيلة وأقاموا فيها أو عبروا دروبها، ونسج كل منهم معها علاقة خاصة.
ولا تأتي هذه الشهادات مجرد إضافات توثيقية، بل تمنح العمل بعداً تعددياً، وتفتح نوافذ جديدة على المكان. فالمدينة التي بدأت من ذاكرة الكاتب تتوزع هنا على مرايا متعددة، لكل شاهد أصيلته، ولكل ذاكرة زاوية تنظر منها إلى البحر والأزقة والناس والموسم الثقافي. وهكذا تلتقي ذاكرة المقيم بذاكرة الزائر، وتتداخل التجارب الشخصية في نسيج أوسع صنعته عقود من الثقافة والفن واللقاء.
وحتى الفهرس يتخلى عن اسمه المألوف ليصير «بيوت الحكايات»، فتغدو الفصول بيوتاً متجاورة في حي واحد، لكل منها بابه وما يدور خلفه. وهي تسمية تتجاوز وظيفتها الشكلية لتصبح امتداداً لفكرة مركزية تتردد في الكتاب: أن المكان ليس مجرد فضاء نقيم فيه، بل بيت نحمله معنا حين نغادره، وأن الذاكرة نفسها تتشكل من بيوت كثيرة، بعضها ما زال قائماً في الجغرافيا، وبعضها الآخر لم يعد موجوداً إلا في الحكايات.
حين يتجاور اللون والكلام
لا يقتصر حضور الفن في «حكايات على حافة الماء» على ما ترويه الصفحات عن أصيلة وجدارياتها ومحترفات فنانيها، بل يمتد إلى التكوين البصري للكتاب نفسه.
يحمل الغلاف لوحة «خطاكِ في القريقية» للفنان التشكيلي والحروفي السوري خالد الساعي، الذي ترافق رسومه وموتيفاته النصوص في الداخل، فيما تولى محمد كمال النجمي التصميم والإخراج الفني، في معالجة بصرية تتناغم مع طبيعة العمل وموضوعه.
وفي كتاب عن مدينة جعلت من الفن أحد أبرز ملامح هويتها المعاصرة، لا تأتي هذه العناصر مجرد زينة للصفحات، بل تشارك في بناء الجو العام للعمل، وتستعيد علاقة أصيلة بالألوان والخطوط، مثلما تستعيد النصوص علاقتها بالوجوه والأمكنة والأصوات. وهكذا يتجاور السرد والتشكيل في فضاء واحد، وتغدو الصورة امتداداً للحكاية، لا عنصراً منفصلاً عنها.
جغرافيا الحنين
في المحصلة، لا تبدو أصيلة موضوعاً يكتب عنه إسماعيل حيدر من الخارج، بل مكاناً يكتب منه، حتى وهو بعيد عنه. فما بدأ بزيارة في صيف عام 2013 امتد إلى أكثر من عقد من العودة والصداقات واللقاءات والأسفار، حتى تحولت المدينة من محطة على خريطة الرحلات إلى فضاء تتقاطع فيه السيرة الفردية مع ذاكرة الآخرين.
ولا تسعى هذه السرديات إلى تثبيت المدينة في صورة نهائية، فالأمكنة التي نحبها لا تبقى على حالها، ونحن أيضاً لا نعود إليها كما غادرناها. تتغير الوجوه، وتتبدل التفاصيل، ويغيب أناس كانوا جزءاً من المشهد، لكن شيئاً من الألفة يظل يقاوم الغياب، ويمنح المكان قدرته على الاستمرار فينا.
ولعل هذا ما يمنح الكتاب وحدته الداخلية، أي أن بعض المدن لا تنتهي عند حدودها الجغرافية، بل تبدأ حياتها الأخرى حين نغادرها، وتظل حاضرة في ذاكرتنا وطريقتنا في النظر إلى الأمكنة.
هكذا لم تعد أصيلة مدينة يصل إليها الكاتب ثم يرحل عنها، بل صارت بيتاً للذاكرة، أو، بعبارته التي تختزل علاقته بها: «المكان الذي يقيس منه المسافات».
فثمة مدن نعود إليها كلما سافرنا، وثمة مدن لا نحتاج إلى السفر كي نعود إليها؛ لأنها لم تغادرنا يوماً.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©