خولة علي (أبوظبي)
في ساحة الفن التشكيلي المحلي، تتألق الفنانة الإماراتية عبير الشيباني لتجمع بين الإبداع والرؤية الثقافية الواعية. وهي تؤمن بأن الفن ليس مجرد جمال بصري، بل رسالة تحمل في طياتها هوية الوطن وثقافته. وقد اختارت أن تجعل من اللون أداة للتعبير ومن الفرشاة وسيلة للحوار، لترسم عبر أعمالها ملامح الحياة الإماراتية بإحساس يظهر بعمق التفاصيل.

نقطة الانطلاق
وجدت الفنانة التشكيلية عبير الشيباني في الرسم مساحة آمنة تترجم من خلالها مشاعرها وتفاصيل عالمها الداخلي، لتبدأ منها رحلة فنية طويلة نسجت ملامحها بالموهبة والشغف والإصرار. تقول الشيباني: بدأت رحلتي مع الفن منذ الطفولة، حيث كنت أجد في الرسم ملاذاً للتعبير عن أفكاري ومشاعري بحرية. شجّعني المحيط العائلي والمدرسي على تنمية هذا الشغف، فقررت دراسة الفنون أكاديمياً، مما أتاح لي تعميق معرفتي بأساليب الفن ومدارسه المختلفة. ومع مرور الوقت، طورت مهاراتها بالممارسة المستمرة، والمشاركة في الورش والدورات الاحترافية، لافتة إلى أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم والاطلاع على تجارب الآخرين.
مصادر الإلهام
تستمد الشيباني إلهامها من البيئة الإماراتية الغنية برموزها وثقافتها العميقة، إذ ترى أن الفن وسيلة لتوثيق الذاكرة الجمعية للمكان والإنسان. وتقول: أستمد إلهامي من قصص أجدادنا وحياتهم في الماضي، سواء من خلال التراث المعماري أو تفاصيل الحياة اليومية التي تعكس القيم الأصيلة. وتلهمها الطبيعة والألوان المحلية، إلى جانب تأثرها ببعض المدارس الفنية العالمية حيث توائمها مع الفن المحلي في توازن دقيق.

الهوية الإماراتية
وتولي الشيباني اهتماماً خاصاً بتوظيف الهوية والثقافة الإماراتية في أعمالها، معتبرة أن الفنان يحمل مسؤولية الحفاظ على روح المكان في زمن سريع التغير. وتضيف: أحرص على أن تحمل أعمالي لمسة من الهوية الإماراتية، سواء من خلال الرموز التراثية، مثل المرأة الإماراتية والنخيل والخيل والجمال، أو عبر الدمج بين العناصر التقليدية واللمسات المعاصرة. وتؤكد أن هذا التمازج بين الماضي والحاضر يعكس رؤيتها الفنية التي توازن بين الأصالة والابتكار، وتمنح لوحاتها عمقاً دلالياً يتجاوز الشكل إلى المعنى.
روح معاصرة
وتتحدث الشيباني عن انحيازها إلى الواقعية مع بصمات تعبيرية خاصة تضفي على أعمالها تميّزاً وحضوراً. وتقول: يتيح لي إبراز التفاصيل الإماراتية بدقة وإظهار جمال البيئة المحلية بشكل صادق ومعبّر، وفي الوقت نفسه أحب إدخال عناصر تضيف عمقاً خاصاً، مثل توظيف الخط العربي أو استخدام خامات متنوعة تمنح اللوحة ملمساً بصرياً مميزاً. وهذا الدمج بين الواقعية والتجريب الفني يجعل من أعمالها مساحة للبحث عن الجمال في التفاصيل اليومية التي تشكّل هوية الإمارات.

قوة مجتمعية
وبالرغم من النجاحات التي حققتها، لم تخلُ مسيرة الشيباني من التحديات. فقد واجهت في بداياتها صعوبة في إيجاد المنصات الداعمة لعرض أعمال الفنانين الشباب، إلى جانب التحدي الأكبر في إيجاد أسلوب فني خاص وسط تعدد المدارس والأساليب. وتعتبر تلك العقبات محطة لاختبار الإصرار، مشيرة إلى أن الشغف والمثابرة هما ما يصنعان الفرق؛ واليوم، تنظر إلى الفن التشكيلي كقوة مجتمعية تعزّز الوعي والهوية، مؤكدة أن الفن التشكيلي يوثق التاريخ والتراث بصرياً، ويشكل جسراً للحوار بين الأجيال والثقافات، ويعزّز الانتماء والاعتزاز بالوطن.
التحولات الرقمية
ترى الشيباني أن الفن قادر على التكيف من دون أن يفقد جوهره. وتقول: الذكاء الاصطناعي والفن الرقمي يفتحان آفاقاً جديدة للتجريب والإبداع، ويمكن أن يتكاملا مع الخامات التقليدية لإنتاج أعمال معاصرة مدهشة، لكنني أحرص على ألا أفقد اللمسة اليدوية التي تميّز العمل التشكيلي. وقد تجلى هذا الانفتاح على التجديد في مشاركاتها المحلية والدولية، من معرض الإخاء في قطر ومعرض قطعة من الفن في الكويت إلى ملتقى تنومة الدولي للفنون التشكيلية في السعودية، ومعرض اليوم الوطني في أوزبكستان وسمبوزيوم البحرين، وصولاً إلى مشاركتها في فن مسقط بسلطنة عُمان. كما تعد منظمة لملتقى شارع الفنانين في الفجيرة الذي يستقطب مبدعين من العالم، وتستعد لإطلاق موسمه الثاني.

جوائز
حصدت الفنانة التشكيلية الإماراتية عبير الشيباني جائزة حمدان للمعلم المتميز، وجائزة بصمة معلم – هذا ما يحبه زايد، إلى جانب اختيارها متحدثة في منصة تعليمية ناقشت فيها دور الفن في التعليم، كما أطلقت مبادرات فنية للأطفال والشباب لنشر الثقافة البصرية. وتقول: أطمح للوصول إلى العالمية من خلال عرض أعمالي في متاحف ومعارض دولية، والمساهمة في بناء مشهد فني إماراتي قوي، وتطوير مشاريعي التعليمية لتأهيل جيل جديد من المبدعين يجمع بين الفن والابتكار.
وتمضي الشيباني في رحلتها التشكيلية لتعبّر عن الهوية برؤية معاصرة، وتجمع بين دفء التراث ونبض الحداثة، لتؤكد أن الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل ذاكرة وطن تروى بالألوان والضوء والإبداع.