لكبيرة التونسي (أبوظبي)
الأسرة المسؤولة اجتماعياً، ركيزة أساسية في نهضة المجتمعات وصنع حضارتها، حيث تتكوّن مفاصلها ببناء الإنسان منذ الطفولة المبكرة، ويقع على عاتق الشباب دور كبير في هذا المجال، حيث تبرز أهمية غرس قيَم المسؤولية المجتمعية في النفوس منذ الصغر، بدءاً من البيت والمدرسة. ومن مظاهر «الأسرة المسؤولة» تربية الأبناء على احترام النظام، والحفاظ على الممتلكات العامة، والاهتمام بالبيئة، وهي عناصر تسهم في بناء جيل واعٍ يدرك أهمية دوره في خدمة مجتمعه.
تتمثل «المسؤولية المجتمعية» في التزام أفراد الأسرة في تبنِّي ممارسات تهدف إلى تحسين المجتمع والبيئة المحيطة به، وتؤدي دوراً حيوياً في تعزيز العلاقات الإيجابية، وتشجِّع على التعاون والاهتمام بالآخرين، وتسهم في تشكيل شخصية الأطفال وتوجيه الشباب، وبحسب خبراء ومربين، لا يتحقق ذلك إلا بالتعاون بين البيت والمدرسة.
تقليد وليس تعليم
عن كيفية تمكين الأسرة اجتماعياً وتأسيس جيل قادر على تحمل المسؤولية، أكّدت الدكتورة آمنة خميس الناخي، مؤسس ورئيس منصة «بذرة» للإرشاد الأكاديمي والمجتمعي والنفسي، أن الأطفال لا يتعلمون مما يُقال لهم بقدر ما يتعلمون مما يرونه.
وأوضحت أنه حين يلتزم الوالدان بوعودهما، ويعترفان بأخطائهما أمام أبنائهما، ويحترمان الوقت والقانون، فإنهما يزرعان في الطفل معنى المسؤولية من دون أي محاضرة، حيث إن السلوك يُقلَّد أكثر مما يُعلَّم، وكل تصرّف يومي داخل البيت يترك أثراً عميقاً في وجدان الطفل.
وأضافت الناخي: أن بناء جيل مسؤول تبدأ مبكراً، فتربية الطفل تأتي تدريجياً وتزرع فيه القيَم منذ البداية، ويجب أن يكون الوالدان في وعي تام بمراحل حياة الطفل ولاسيما خلال الطفولة المبكرة، حيث إن مرحلة تحميل المسؤولية تأتي تدريجياً، ولا يمكن أن نطالب طفلاً بالمسؤولية فجأة، بل يجب أن يتعلمها خطوة خطوة بالقدوة والاحترام وتعزيز الهوية الوطنية.

روتين يومي
بدورها أشارت عفاف راضي، تربوية، إلى أن تكوين أسرة مسؤولة اجتماعياً، ينبع من الوعي والمعرفة، وتبدأ من البيت وتتبلور في المدرسة وتنعكس في المجتمع، وتتمثل في ممارسات تهدف إلى تحسين المجتمع والبيئة المحيطة به، وتبدأ بغرس القيَم عند الأبناء منذ الطفولة المبكرة، كما تبدأ من البيت وعبر روتين يومي، حتى يصبح ذلك سلوكاً في حياة الأبناء.
وشدّدت على أهمية تكامل الأدوار بين البيت والمدرسة، وتعليم الأبناء الاعتماد على النفس في تنفيذ الواجبات، ومساندة الآخرين ومساعدة الأم والأب والجدة وترسيخ العمل الجماعي.
شريك أساسي
من جهتها أشارت وفاء ناصر الشامسي، معلمة لغة عربية، إلى كيفية تأسيس «أسرة مسؤولة» قادرة على تجاوز التحديات والمساهمة في خدمة المجتمع، وذلك بتعزيز المسؤولية المجتمعية عند الأطفال من خلال المدرسة.

وأضافت: أن المدرسة حجر الأساس في بناء شخصية الطالب، فهي ليست مكاناً للتعلّم الأكاديمي فحسب، بل بيئة تربوية متكاملة تُصاغ فيها القيَم، وينمَّى فيها الوعي، ويُبنى فيها السلوك القويم، لتصبح قادرة على صناعة جيلٍ مسؤول ومنضبط.
وتبدأ المدرسة دورها من خلال غرس الانضباط الذاتي لدى الطلبة، حيث تعزِّز المدرسة تحمّل المسؤولية عبر القدوة الحسنة التي يقدمها المعلم والإدارة المدرسية وبإشراك الأسرة.
العمل الجاد
وأوردت أسماء أحمد، تربوية وحاصلة على جائزة الأسرة المتميزة، أن تعزيز المسؤولية المجتمعية عند الأبناء، يبدأ من البيت وبالشراكة الواعية بين الأم والأب وتعززها المدرسة لينعكس ذلك في المجتمع وتحصد نتائجه الأسرة. وأضافت: المطلوب أن تصنع الأسرة بيئة استثنائية بوعي تربوي عميق، تقوم على تحويل الحياة اليومية إلى مساحة تعلّم حيّة، حيث لا يكون التميز هدفاً بقدر ما هو أسلوب حياة، يجعل الحوار أساس العلاقة مع الأبناء لإحاطتهم بثقة راسخة ودعم مستمر.
وتحدثت عن التوجيه الذي يحقق التوازن بين الاستقلالية وتحمل المسؤولية، والحرص على أن تكون المعرفة مرتبطة بالقيَم وأن يتحول الإنجاز إلى وسيلة لخدمة المجتمع، حتى يترعرع الأبناء في أسرة ترى أن التفوق الحقيقي هو انسجام الفكر المبدع مع الأخلاق الإنسانية والانتماء للوطن.
تكامل الأدوار
يعتبر عبدالله محمود، استشاري أسري، أن المسؤولية المجتمعية تُمثّل ركيزة أساسية في النهضة، ويقع على عاتق الشباب دور كبير في هذا المجال، ومن هنا تبرز أهمية غرس قيم المسؤولية المجتمعية في النفوس منذ الصغر، بدءاً من الأسرة، ثم المدرسة، والمؤسسات الاجتماعية المختلفة. ويشير إلى أن تربية الأبناء على احترام النظام، والحفاظ على الممتلكات العامة، والاهتمام بالبيئة، والتطوع، عناصر تسهم في بناء جيل منضبط ومسؤول، ولا يتم ذلك إلا بذكاء وحرص الأسرة وتكامل الأدوار بين الأب والأم.
تعزيز الهوية
ترى الناشطة البيئية نعمة عبدالحميد، أن «الأسرة المسؤولة»، التي تُربِّي أفرادها على الانضباط وتحمُّل المسؤوليات منذ الصغر، وجعلهم ينخرطون في المبادرات المجتمعية مهما كانت بسيطة، تنمي لديهم حب الوطن والغيرة عليه. وهم بذلك يرفضون أي سلوك يضرّ ببلدهم، كرمي النفايات في الأماكن غير المخصصة لها، ومواجهة أي سلوك غير طبيعي على أفراد المجتمع، والحرص على التميز لرفع راية الوطن عالياً والمساهمة في تحقيق الازدهار.