لكبيرة التونسي (أبوظبي)
«عيد الفطر» في الإمارات مناسبة تتجاوز الفرح والاحتفالات، فهو فرصة متجدّدة لغرس القيَم الأصيلة، ونقل العادات والتقاليد الراسخة من جيلٍ إلى جيل. وفي هذه الأيام المباركة تتجلى معاني «السنع» الإماراتي في أجمل صورها، حيث يحرص الأبناء على احترام الكبار، وتقبيل رؤوس الوالدَين والأجداد، وتعلّم آداب الضيافة والترحيب، وهي قيَم متوارَثة تشكِّل جزءاً من الهوية الوطنية.
حفاوة وكرَم
قالت وفاء الشامسي، تربوية: يشكِّل عيد الفطر فرصةً لتعزيز صلة الرحم، إذ تتبادل الأسر الزيارات، وتتقارب القلوب، ويلتقي الأقارب بعد انشغالهم في أيام العمل، وتُستعاد لحظات الدفء العائلي التي تقوّي الروابط الاجتماعية، حيث يتعلّم الأبناء من الكبار في المجالس والبيوت، معاني الكرَم والتسامح والتكافل، حين تُفتح الأبواب لاستقبال الضيوف، وتقدَّم الضيافة الإماراتية الأصيلة بكل حفاوة. وذكرت أن من مظاهر العيد اجتماع الأسرة حول المائدة، وتبادل التهاني، وإدخال الفرح على قلوب الأطفال عبر العيدية والهدايا.
وأكدت الشامسي أن العيد في دولة الإمارات يمثل أكثر من مناسبة احتفالية، بحيث يُعَد مدرسة اجتماعية تعزِّز الهوية الوطنية، وترسِّخ القيَم الأصيلة في نفوس الأبناء، ليظل المجتمع متماسكاً قائماً على المحبة والتراحم والاعتزاز بالموروث.

استدامة الذاكرة
وذكرت خولة جمعة، مستشارة أسرية، أن عيد الفطر مناسبة لإحياء العادات والتقاليد والطقوس الجميلة، وتعزيز القيَم التي يتعلّمها الأطفال، ومنها «السنع»، حيث يلقون عبارات التهاني على الأقارب، ويتعلّمون تقدير الكبير والاهتمام بالصغير، ويحافظون على صلة الرحم. ويتعلّم الأطفال أهمية زيارة الأهل والجيران والأصدقاء، وتترسّخ لديهم قيَم الموروث، حيث تحرص الأسر على استحضار الأزياء التراثية والمأكولات الشعبية والطقوس التي تجعل الهوية الوطنية أساس بهجة العيد، مما يضمن استدامة الذاكرة الجمعية وتوريثها للأجيال.
«الميلس»
نورة القحطاني، مرشدة اجتماعية وأسرية، أكدت أن البيوت الإماراتية تتحوّل في عيد الفطرإلى حالة من الفرح، وتعبق بالبخور واللبان، حيث تختلط روائح «الخبيص» و«الهريس» بضحكات الصغار، وهم يرتدون «الكندورة» والثوب الإماراتي الزاهي. وتحدثت القحطاني عن القيَم التي يعزِّزها عيد الفطر لدى الأطفال، وتبدأ في «الميلس»، حيث يجلس الكبار بوقار يملأ المكان هيبة. ويتلقّى الأطفال أول دروس الذكاء الاجتماعي، حين يقترب الصغير ليقبِّل رأس جده ويد جدته، ويمارس «السنع» في أبهى صوره، ويتعلّم كيف يخفض الجناح تقديراً، وكيف ينصت بوقار لقصص «عيد أول»، وكيف يكون «فزّاعاً» في خدمة الضيوف، بتقديم القهوة العربية من «الدلة» بيده اليمنى، وبابتسامة تعكس رقيّ تربيته.

نسيج المجتمع
أشارت نورة القحطاني، إلى أن صلة الرحم في الأعياد هي الخيط المتين الذي يربط نسيج المجتمع، فالتنقّل بين «الفرجان» لزيارة الأهل والأقارب يغرس في نفوس الأطفال أن القوة في العائلة، وأن قيمة المرء بأهله وناسه. ومع كل «عيدية» تقدَّم، ومع كل «فوالة» تُبسط، تُزرع بذور الكرَم والترحاب، ليشبّ الأطفال على خصال تجعل منهم نموذجاً يُحتذى به في الرقي والأصالة والانتماء، مما يجعل العيد محطة استثنائية، نجدِّد فيها العهد حتى يبقى الأطفال حراس هذا الإرث الجميل.