تامر عبد الحميد (أبوظبي)
في قصة إنسانية تحمل الكثير من الإصرار والأمل، يسلِّط الفيلم الوثائقي الإماراتي «نور» Luminous الضوء على تجارب أصحاب الهمم، ويقدِّم نماذج ملهِمة استطاعت تحويل التحديات إلى طاقة للإبداع والإنجاز. ومن هذه التجارب، قصة عازف البيانو الإماراتي أحمد الهاشمي، من ذوي اضطراب طيف التوحد، الذي وجد في الموسيقى مساحة للتعبير عن نفسه، ووسيلة للتواصل مع الآخرين، وطريقاً لاكتشاف قدراته وصناعة هويته الخاصة. ويأتي الفيلم بدعم من هيئة زايد لأصحاب الهمم، إنتاج «فيلم جيت»، وإشراف وإخراج الإماراتي منصور اليبهوني الظاهري، ليرصد جوانب من رحلة الهاشمي، وعلاقته الخاصة بالموسيقى والبيانو، والتحديات التي واجهها، وصولاً إلى تجربته في تحويل شغفه إلى إنجاز ورسالة تصل إلى الآخرين.
تحديات وأمل
يصف أحمد الهاشمي، مشاركته في فيلم «نور» بالتجربة المميزة، لأنها لم تركِّز على إنجازاته فحسب، بل تناولت رحلته بكل ما تحمله من تحديات وأمل. ويقول: كانت تجربة مميزة جداً بالنسبة لي، لأن الفيلم لا يتحدث عن إنجازاتي فقط، بل عن تجربتي كاملة، ولم أشأ أن أمثِّل أمام الكاميرا، بل أردت أن أكون على طبيعتي.
ويضيف: اعتمد استعدادي للمشاركة في «نور» على استحضار المراحل المختلفة التي مررت بها، من الصعوبات التي واجهتها بسبب اضطراب طيف التوحد، إلى اللحظات التي أدركت فيها أن الموسيقى أصبحت صوتي الحقيقي. وأتمنى أن يرى الناس في الفيلم شخصاً لم يستسلم، بل استمر في الحلم والعمل. ويضيف: أقف أمامكم اليوم لأثبت أن الاختلاف ليس ضعفاً، بل قد يكون نقطة قوة عندما نجد من يؤمن بنا، ونؤمن نحن بأنفسنا.

داعم أكبر
خلف هذه الرحلة، تقف أسرة أحمد الهاشمي، بوصفها أحد أهم مصادر الدعم، وتحديداً والدته التي كانت الداعم الأكبر له، حيث أسهمت في بناء ثقته بنفسه ومساعدته على تجاوز نظرة الآخرين إلى قدراته. ويقول: أمي كانت أول شخص آمن بي عندما كان كثيرون يشكِّكون في قدراتي. كانت دائماً تقول لي، إن التوحد ليس نهاية الطريق، بل بداية لطريق مختلف. ويستذكر، مواقف والدته في مختلف مراحل مسيرته، قائلاً: لا أنسى كيف كانت تقف بجانبي في كل تجربة وكل مسابقة وكل حفل، حتى عندما كان البعض يرفضون منحي فرصة. ويؤكد الهاشمي، أن والدته لم تسمح له يوماً بأن ينظر إلى نفسه باعتباره أقل من الآخرين، بل علّمته أن يثبت قدراته بالعمل والاجتهاد، وأن يجعل من اختلافه دافعاً للاستمرار.
لغة خاصة
لم يكن البيانو بالنسبة للهاشمي، مجرد آلة موسيقية، بل لغة خاصة يعبِّر من خلالها عن مشاعره وأفكاره، ويجد فيها مساحة للتواصل حين تعجز الكلمات عن أداء دورها. ويقول: اكتشفت أنني أعشق البيانو عندما شعرت أنه يساعدني من خلال الموسيقى على قول ما لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات، في كل مرة أعزف فيها، أشعر أن البيانو يترجم مشاعري للناس. ومن هذا الشعور، انتقلت إلى مرحلة التأليف الموسيقي، فأصبحت أؤلِّف مقطوعاتي الخاصة، ولكل منها قصة ورسالة أسعى إلى إيصالها إلى الجمهور.
شغف
يرى الهاشمي، أن الموسيقى نقطة تحوُّل غيَّرت الكثير من جوانب حياته، ومنحته الثقة، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة. ويقول: الموسيقى غيَّرت حياتي بالكامل، وأعطتني الثقة، وفتحت لي أبواباً لم أكن أتخيّلها، وجعلتني أمثِّل الإمارات خير تمثيل في محافل وتجارب في دول مختلفة حول العالم.

صورة نمطية
ويوضح الهاشمي أن أهمية الموسيقى بالنسبة له لا تقتصر على الإنجاز الشخصي، بل تمتد إلى تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالتوحد، إذ يرى أن الجمهور عندما يستمع إلى عزفه ومؤلفاته الموسيقية، يلتفت إلى شغفه وموهبته قبل أي شيء آخر. ويقول: عندما يشاهدونني أعزف أو يسمعون مؤلفاتي الموسيقية، لا يرون التوحد أولاً، بل يشاهدون إنساناً لديه شغف ورسالة وقدرة على الإبداع، وهذا بالنسبة لي أكبر إنجاز.
رسالة
لا تتوقف رسالة أحمد الهاشمي، عند تجربته الشخصية، إذ يوجِّه من خلال قصته رسالة إلى الأطفال الذين يشعرون بالعزلة أو يواجهون التنمُّر، داعياً إياهم إلى التمسّك بمواهبهم وعدم السماح لكلمات الآخرين بتحديد قيمتهم أو مستقبلهم. ويقول: لا تجعلوا كلام الآخرين يحدِّد مَن أنتم، كل شخص لديه شيء يميِّزه، وقد يكون هذا الشيء سبب نجاحه في المستقبل. إذا كنتم تحبون شيئاً، تمسَّكوا به وطوِّروا موهبتكم، ولا تخجلوا من اختلافكم. كما يوجِّه رسالة إلى كل من يمارس التنمُّر، قائلاً: قد تكون كلمة منك سبباً في كسر شخص، أو سبباً في منحه القوة، فاختر دائماً أن تكون سبباً في الأمل.