تمكّن باحثون من توظيف الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمرضى الذين تستدعي حالتهم العلاج لتقوية القرنية وحماية البصر، وفق دراسة عُرضت في المؤتمر الثالث والأربعين للجمعية الأوروبية لجراحة الساد وتصحيح الإبصار (ESCRS).
تركّزت الدراسة على مرضى القرنية المخروطية، وهي اضطراب بصري يبدأ عادة في سن المراهقة وبداية الشباب ويزداد سوءًا مع التقدم في العمر. تصيب هذه الحالة نحو شخص واحد من كل 350 فردًا، ويمكن في بعض الحالات السيطرة عليها بالعدسات اللاصقة، بينما تتدهور بسرعة في حالات أخرى وقد تنتهي بالحاجة إلى زراعة قرنية إذا لم تُعالج. حاليًا، لا توجد وسيلة لتحديد من يحتاج إلى العلاج سوى المتابعة المستمرة.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت على موقع «MedicalXpress» المتخصص في الأبحاث الطبية، تمكن الباحثون، بمساعدة الذكاء الاصطناعي في تحليل صور عيون المرضى إلى جانب بيانات أخرى، من التنبؤ بدقة بالمرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل والذين يمكن الاكتفاء بمراقبتهم.
قد يهمك أيضا.. الذكاء الاصطناعي يوجه الخلايا المريضة نحو الشفاء
تحليل صور العين
قاد الدراسة الدكتور شافي بالال وزملاؤه من مستشفى مورفيلدز للعيون التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في لندن، وكلية لندن الجامعية (UCL). وقال: «في حالة القرنية المخروطية، تنتفخ القرنية – النافذة الأمامية للعين – إلى الخارج. هذه الحالة تسبب ضعفًا بصريًا لدى الشباب في سن العمل، وهي السبب الأكثر شيوعًا لزراعة القرنية في العالم الغربي».
وأوضح: «علاج واحد يُسمى الربط المتقاطع (Cross-linking) قادر على إيقاف تقدم المرض. إذا أُجري قبل حدوث تندب دائم، فإنه غالبًا يمنع الحاجة إلى زراعة القرنية. لكن المشكلة أن الأطباء لا يمكنهم التنبؤ بمن سيتطور لديه المرض ومن سيبقى مستقرًا بالاكتفاء بالمراقبة. وهذا يعني أن المرضى يخضعون لمتابعة مستمرة لسنوات طويلة، وغالبًا ما يُجرى العلاج بعد حدوث التدهور بالفعل».
تضمّنت الدراسة مجموعة من المرضى المحوَّلين إلى مستشفى مورفيلدز لتشخيص ومتابعة القرنية المخروطية، حيث أُجريت لهم فحوص بالتصوير المقطعي البصري (OCT) لرصد شكل القرنية الأمامية. وقام الباحثون بتحليل 36,673 صورة OCT تعود إلى 6,684 مريضًا، إضافةً إلى بيانات سريرية أخرى، بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
أثبتت الخوارزمية دقة عالية في التنبؤ بمآل الحالة، سواء بالتدهور أو الاستقرار، اعتمادًا على صور وبيانات الزيارة الأولى فقط.
محتوى مشابه.. الذكاء الاصطناعي يتنبأ بخطر النوبة القلبية المقبلة
تصنيف المخاطر البصرية
استطاع الباحثون باستخدام الذكاء الاصطناعي تصنيف ثلثي المرضى ضمن مجموعة منخفضة الخطورة لا تستدعي العلاج، فيما وُضع الثلث الآخر ضمن مجموعة عالية الخطورة تتطلب علاجًا عاجلًا بالربط المتقاطع. ومع إضافة بيانات الزيارة الثانية، ارتفعت دقة التصنيف إلى 90%.
يعتمد علاج الربط المتقاطع على تعريض القرنية للأشعة فوق البنفسجية واستخدام قطرات فيتامين B2 (الريبوفلافين) لتقويتها، ويحقق نجاحًا يفوق 95% من الحالات.
وقال الدكتور بالال: «تُظهر أبحاثنا أنه يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمرضى الذين يحتاجون إلى علاج ومن يمكن متابعتهم فقط. هذه أول دراسة من نوعها تحقق هذا المستوى من الدقة في التنبؤ بخطر تقدم القرنية المخروطية من خلال الدمج بين الصور والبيانات السريرية، مع استخدام عينة كبيرة من المرضى تمت متابعتهم لأكثر من عامين».
وأضاف: «رغم أن الدراسة اقتصرت على جهاز OCT محدد، إلا أن المنهجية وخوارزمية الذكاء الاصطناعي المستخدمة يمكن تطبيقها على أجهزة أخرى. ستخضع الخوارزمية الآن لمزيد من الاختبارات المتعلقة بالسلامة قبل اعتمادها سريريًا».
وأشار إلى أن النتائج قد تمكّن المرضى ذوي الخطورة العالية من تلقي العلاج الوقائي في وقت مبكر، ما يحميهم من فقدان البصر ويجنبهم عمليات زراعة القرنية ومضاعفاتها وأعباء التعافي. أما المرضى منخفضو الخطورة، فسيستفيدون من تجنب المراقبة المتكررة غير الضرورية، مما يوفر موارد الرعاية الصحية ويسمح بتوجيه المتخصصين نحو الحالات الأكثر حاجة.
تعرف على.. بفضل الذكاء الاصطناعي.. أصبح التنبؤ بالخرف ممكنًا
التدخل المبكر الفعال
ويواصل الباحثون تطوير خوارزمية ذكاء اصطناعي أقوى، تُدرَّب على ملايين صور العين، لتتمكن من أداء مهام محددة مثل التنبؤ بتطور القرنية المخروطية، بالإضافة إلى مهام أخرى تشمل الكشف عن التهابات العين والأمراض العينية الوراثية.
من جانبه، قال الدكتور خوسيه لويس غويل، عضو مجلس أمناء ESCRS ورئيس قسم القرنية والساد وجراحة تصحيح الإبصار في معهد الجراحة المجهرية للعين ببرشلونة، والذي لم يشارك في الدراسة: «القرنية المخروطية حالة يمكن التعامل معها، لكن تحديد من يجب علاجه ومتى وكيف يبقى تحديًا. للأسف، يؤدي ذلك أحيانًا إلى تأخير العلاج، مما يجعل العديد من المرضى يفقدون بصرهم ويحتاجون إلى زراعة عدسات جراحية».
وأضاف: «تشير هذه الدراسة إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتطور الحالة حتى من أول فحص روتيني، ما يعني إمكانية علاج المرضى مبكرًا قبل حدوث التدهور والتغيرات الثانوية. كما يمكننا تقليل المراقبة غير الضرورية للمرضى المستقرين. وإذا أثبتت التقنية فعاليتها باستمرار، فإنها ستمنع في النهاية فقدان البصر وتحديات العلاج المعقدة لدى المرضى الشباب».
أسامة عثمان (أبوظبي)