تغير المناخ له خطورة تضاهي انتشار الأوبئة، مثل كوفيد- 19 وغيره، مما يضع التحدي المناخي في خانة التهديدات الناشئة والطارئة للعالم، وهي تهديدات تشكّل تحدياً مباشراً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، وهذا يتطلب زيادةً موازيةً في الوعي من شأنها أن تضع التغير المناخي في مصاف التهديدات الخطيرة للأمن القومي. والتغير المناخي بطبيعته تهديد مباشر للأمن الغذائي والمائي والصحي والطاقوي.. وهو خطر شامل يهدد الحياةَ بكل أشكالها على سطح كوكب الأرض.
إن إدراك هذا التهديد يمثل مؤشراً على وعي مبكر لدى الدول، ودولة الإمارات العربية المتحدة كانت أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سعت إلى تحقيق الحياد المناخي وجعلته هدفاً لها، وذلك وفق منهجية علمية واستراتيجية واضحة حددت أجلاً زمنياً أقصاه عام 2050.
وتهدف الإمارات من تحقيق الحياد إلى انتقال الدولة نحو اقتصاد أخضر وطاقة نظيفة قادرَين على التكيف مع استحقاقات تغير المناخ وتداعياته، مع أهمية الإعلاء من جودة الحياة والنمو الاقتصادي في الوقت ذاته. وهي مهمة حيوية وضرورية تتطلب كل ذلك الوعي، كما تتطلب تضافر الجهود وجمعها على مستوى الكوكب كله، لأن الخطر يمس الجميع بلا استثناء.
إن وضع الخطط موضع التنفيذ والتطبيق الفوري شرط ضروري لا يحتمل التأخير، وقد اتّخذت دولةُ الإمارات العديدَ مِن الخطوات العملية للتصدّي لظاهرة تغيّر المناخ وللتخفيف من تأثيراتها السلبية على النُّظم البيئية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، وقامت بوضعِ أطرٍ قانونية للمحافظة على ثرواتها البيئية.
إن قراءةً سريعةً لخريطة الطريق التي وضعتها دولة الإمارات في سبيل مواجهة تحديات التغير المناخي وتحقيق الحياد المناخي تعكس حجمَ الوعي المعرفي المدعوم بإرادة سياسية حازمة في مجال السياسات العامة والخطوات التنفيذية المحفِّزة لتحقيق تلك الغاية ووضعها موضع الأولوية، مع إحساس بالمسؤولية حيال حماية الكوكب عبر وضع النموذج الأمثل للجميع في نشر الوعي بخطورة التحديات المناخية.
نحن أمام وعي مبكر مقترن بإرادة سياسية حكومية فاعلة وناجحة في التطبيق، حيث نجد أن دولة الإمارات استحدثت وزارةً خاصة تُعنى بالتغير المناخيّ والبيئة، ووضعت تعاونَها الدولي في كل ما يتعلق بالتغير المناخي ومواجهته كأولوية سياسية. كما كانت الإمارات من الدول السبّاقة التي حرصت على دعم «بروتوكول كيوتو» للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة في البلدان الصناعية.
قدرة الإمارات على الريادة العالمية في هذا المجال جعلت منها مركزاً عالمياً في مجالات الحوكمة البيئية والاجتماعية، ولذا فهي تمتلك اليوم قدرةً عاليةً على إنتاج الطاقة الشمسية النظيفة، وهي موطن لثلاث من محطات توليد الطاقة الشمسية الأكبر والأقل تكلفة في العالم، وهي أول دولة في المنطقة تستخدم الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، وأول دولة في المنطقة طوّرت ونفّذت آليات التقاط واستخدام وتخزين الكربون على نطاق صناعي. وتهدف الإمارات إلى تأمين 50% من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2050 مقابل 25% حالياً، ومن المحتمل جداً أن ترفع النسبة المستهدفة.
وهذا كله يعكس وعياً إماراتياً بيئياً مبكراً وريادةً إماراتية في مواجهة التغير المناخي، مما يضع مؤتمر «كوب 28» في مصاف أكثر المؤتمرات أهميةً في عصرنا الحديث.. فهو مؤتمر يضع العالمَ كلَّه أمام تحدٍ مشترك وسيعرِّفه على التجربة الإماراتية كنموذج ملهِم للتعلم منها.
*كاتب أردني مقيم في بلجيكا


