مع أول يوم من وصول ترامب إلى البيت الأبيض توالت القرارات الإدارية، وبالأخص تلك الخاصة بفرض رسوم تجارية عالية على العديد من الدول بنسب تراوحت بين 10 و25%، حيث سارعت بعض الدول، كالمكسيك وكندا اللتين تربطهما بواشنطن اتفاقيات لتسهيل التبادل التجاري، إلى تأجيل فرض الرسوم لمدة شهر من خلال الاستجابة لبعض المطالب الأميركية، في حين تحدت الصين هذه الإجراءات بفرض رسوم على وارداتها من الولايات المتحدة بنسبة 15%.
ويبدو أن سياسات ترامب في المجالات كافة تتمحور حول التهديد بالحد الأقصى من الإجراءات للحصول إلى مطالبه الحقيقية، وهو ما يفسر تراجعه النسبي عن بعض القرارات، أو التخفيف من حدتها بعد الاستجابة الجزئية من قبل الدول الأخرى، إذ يتبين أن هناك نوعين من الدول، الأولى ضعيفة نسبياً، وتحاول التخفيف من شدة القرارات، في حين هناك دول أخرى قوية وقادرة على التحدي بإجراءات مماثلة.
لكن لماذا يركز الرئيس الأميركي على الرسوم الجمركية دون غيرها؟ هذا تساؤل مهم يوضح الفرق بين عقوبات إدارة بايدن السابقة والإدارة الحالية، إذ اعتمد بايدن العقوبات المالية بصورة أساسية، وهو ما أضعف الدولار وخفّض نسبتَه في التعاملات التجارية الدولية، حيث أشرنا إلى ذلك في مقالة سابقة، إذ شكّل ذلك خطراً كبيراً على الاقتصاد الأميركي، والذي يستمد قوته من قوة الدولار، كعملة احتياط دولية تتيح لواشنطن طبع قدر ما تحتاج من عملتها لتمويل كافة احتياجاتها، وهي إمكانية لن تكون متوفرة في حالة فقد الدولار مكانته التي بدأت تضعف مع اتفاق دول كبيرة ومؤثرة مثل الصين والهند وروسيا وبعض الدول العربية اعتماد عملاتها الوطنية في التبادل التجاري فيما بينها.
وترامب بحكم مهنته، كرجل أعمال أدرك هذه المخاطر المحيطة بالدولار، وبمكانة الولايات المتحدة الاقتصادية والجيوسياسية، فاتجه إلى استخدام سلاح الرسوم الجمركية، أولاً لوقف التخلي عند الدولار، حيث هدد دول مجموع «بريكس» بفرض رسوم جمركية نسبتها 100% في حالة إطلاقها عملةً للتداول فيما بينها. وفي الوقت نفسه، يحاول ترامب من خلال هذه الضغوط التجارية تحسين الميزان التجاري الأميركي الذي يعاني عجزاً كبيراً، مع إقراره بأن هذه الرسوم العالية ستضر بالأسر الأميركية بسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وبالأخص من الصين. وهنا يبرز تساؤل مهم آخر: هل يمكن لهذه الإجراءات أن تنجح؟ أم أن انعكاساتها ستكون سلبية، كما حال مثيلاتها المالية؟ خصوصاً وأنها ستطال أهم شركاء واشنطن التجاريين، كالاتحاد الأوروبي والصين، إذ لا يمكن لدولة منفردة مهما بلغت من القوة الاقتصادية والعسكرية والتأثير السياسي محاربة معظم دول العالم تجارياً، فهذا أمر خارج إمكانات أية دولة. إن مصير هذه الإجراءات الحمائية سوف لن يكون أفضل من العقوبات المالية، ففي حالة استمرارها ستترك آثاراً ضارةً جداً على الاقتصاد الأميركي، وبالأخص على قطاع التجارة الخارجية، كما سترفع بنسب عالية من أسعار السلع، وهو ما قد يثير استياءً شعبياً واسعاً في ظل معدلات تضخم مرتفعة.
وبالتأكيد ستحقق هذه الإجراءات بعض المكاسب على المدى القصير، إلا أن استمرارها على المدى الطويل سيتسبب في انعكاسات وخيمة على الاقتصاد الأميركي، ما يؤكد أن هذه الإجراءات تتخذ من أجل المساومة لتحسين شروط التفاوض، وتحقيق بعض المكاسب التجارية السريعة.
وبالإضافة إلى هذه الجوانب التجارية المؤثرة، فإن الإجراءات على المستوى الجيوسياسي، كالمطالبة بجزيرة غرينلاند والسيطرة على قطاع غزة وضم كندا للولايات المتحدة لا تخرج عن نطاق هذا المفهوم الترامبي، إلا أنها في الوقت نفسه ستلحق ضرراً بالغاً بمكانة وسمعة واشنطن الدولية، حيث تعتبر جميعها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وسيادة الدول، بما في ذلك التطهير العرقي المحرّم دولياً، كما في حالة قطاع غزة، وهو ما قد يحوّل العالم إلى غابة تسودها الفوضى، خصوصاًوأن هناك العديد من الدول ستنتهج الطريق نفسه من خلال احتلال أراضي وموارد الدول المجاورة الأصغر والأضعف منها، فإذا كان الكبير في المجتمع الدولي لا يحترم القوانين والأعراف الدولية، فمن غير المنتظر أن يحترم الآخرون هذه القوانين والأعراف.
*خبير ومستشار اقتصادي


