إذا كنت تعتقد أن التعريفات الجمركية مؤلمة، فحاول مشاهدة مساعدي الرئيس دونالد ترامب ومؤيديه وهم يحاولون الدفاع عنها. فكلما توصلوا إلى مبرر للسياسة التجارية الجديدة، مهما كان مشكوكاً فيه، سرعان ما يبدو أنهم يفعلون شيئاً يناقضه.
يقولون إن استراتيجيتهم التجارية تهدف إلى احتواء الصين، ثم يقومون بفرض تعريفات على الحلفاء الذين تحتاجهم الولايات المتحدة لتحقيق ذلك. ويشرحون أن القانون يسمح لهم بفرض التعريفات على كندا لحماية الأمن القومي، ثم يفصحون عن أن الأمر يتعلق بسياسات الألبان الكندية المستفزة! والحقيقة أن الإدارة الحالية تحب التعريفات الجمركية وتحب من يخبرها بأنها منطقية.
ويعتقد المستشار التجاري للرئيس ترامب، بيتر نافارو، أن الواردات تضر بالاقتصاد، ربما لأنه لا يفهم كيفية حساب بيانات الناتج المحلي الإجمالي، مما يترك انطباعاً بأن الإدارة لا تملك استراتيجيةً تجارية شاملة. وعلى ما يبدو فإن الحاجة كبيرة إلى تبرير التعريفات الجمركية . لقد حاول وزير الخزانة، سكوت بيسنت، تقديم حجة أخرى في نادي نيويورك الاقتصادي مؤخراً، وقال إن «الرئيس لا يرى العالم على أنه لعبة محصلتها صفر، بل كترابطات يمكن إعادة ترتيبها» لمساعدة الأميركيين. وجادل بيسنت بأن التعريفات مصممة «لإعادة التوازن إلى النظام الاقتصادي الدولي» ومن أجل «تكافؤ الفرص».
لكنه لم يكتف بالشكوى المعتادة من أن الدول الأخرى تفرض تعريفات على المنتجات الأميركية. ومع أن هذا صحيح، فإنه لا يبرر السياسات التجارية الجديدة. والواقع أن هناك العديد من الدول تفرض تعريفات أقل على صادراتنا مقارنةً بما نفرضه على صادراتها إلينا، ومع ذلك يريد ترامب زيادتها.
ويرى وزير الخزانة أن هناك اختلالات أوسع يجب إصلاحها، إذ يقول: «توفر الولايات المتحدة أصولاً احتياطية، وتعمل كمستهلك أول وأخير، وتمتص الفائض في ظل ضعف الطلب في النماذج الاقتصادية للدول الأخرى».
ويعتقد معظم الاقتصاديين أن الولايات المتحدة تعاني من عجز تجاري لأن الاستثمار يفوق الادخار، لكن بيسنت يرى الأمر بشكل مختلف: الدول الأخرى تفرض العجز التجاري على أميركا عبر التقليل من قيمة عملاتها واستثمار فائض مدخراتها لدينا. قدم بيسنت حجته بإيجاز في نادي نيويورك الاقتصادي، لكن آخرين طوروها بشكل أكثر تفصيلاً. وهم يرون أن توظيف التصنيع قد تقلص بسبب هذا التلاعب بالعملات، لكن التعريفات يمكن أن تعكس هذا التشوه من خلال تحفيز زيادة الإنتاج المحلي. وقد ألمح بيسنت إلى هذه الفكرة بقوله: «الوصول إلى السلع الرخيصة ليس جوهر الحلم الأميركي».
إنه يعتقد أن النظام الاقتصادي العالمي دفعنا إلى الاستهلاك المفرط والإنتاج القليل. لا تعكس الموازين التجارية مدى نجاح أو فشل الاقتصادات. فقد عانت الولايات المتحدة من عجز تجاري معظم القرن الـ19 بينما كانت ترتقي كقوة صناعية. كما أنه ليس صحيحاً أن الفائض التجاري يمنع فقدان الوظائف في قطاع التصنيع، فكل الدول المتقدمة، بما في ذلك ألمانيا التي تحقق فائضاً تجارياً، شهدت نفسَ الاتجاه التنازلي. كما أن التعريفات ليست وسيلة موثوقة لزيادة الإنتاج المحلي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تؤدي غالباً إلى ارتفاع قيمة العملة. وقد اعترف بيسنت نفسه بذلك؛ فخلال جلسات تأكيد تعيينه، حاول تهدئة المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار الناجم عن التعريفات بقوله إن الدولار القوي سيخفف من حدة المشكلة.
لكن ارتفاع قيمة الدولار يقلل أيضاً من الطلب على الصادرات الأميركية، وهو نفس السبب الذي جعله يشكو من التلاعب بالعملات. وتؤدي التعريفات أيضاً إلى زيادة تكلفة المواد التي يستخدمها المصنعون الأميركيون، مما يصعّب عليهم تصنيع وبيع منتجاتهم. وقد وجدت الدراسات مراراً أن التعريفات التي فرضها ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى أدّت إلى تقلص التوظيف والإنتاج في قطاع التصنيع.
وعلاوة على ذلك، لم تؤدِ تلك التعريفات حتى إلى تقليص العجز التجاري. ما تشترك فيه حجة بيسنت بشأن التعريفات مع جميع التبريرات الأخرى هو أن الرئيس لم يظهر أي علامة على أنه يؤمن بها. فلو كان يؤمن بذلك، لكان يريد دولاراً أضعف، وإنهاء وضعه كعملة احتياطية عالمية.. لكنه لا يريد ذلك، بل إنه تحدث عن معاقبة الدول التي تحاول استبدال الدولار. والغرض من هذه النظريات ليس التماسك المنطقي، بل أن تبدو معقولة بما يكفي لتشتيت الانتباه عن حقيقة الولع بالتعريفات، وهو ولع لا يتأثر بالحقائق والمنطق.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
راميش بونورو*
* زميل في معهد «أمريكان إنتربرايز»


