خلال العقود الماضية، نقلت جماعة «الإخوان» الإرهابية جانباً كبيراً من أنشطتها التنظيمية والمالية إلى أوروبا، التي شكّلت بيئة مناسبة لتمدُّد شبكاتها. فمنذ تأسيس المركز الإسلامي عام 1954، تمكّنت الجماعة من إنشاء شبكة تضم مؤسسات مالية وفكرية، واتخذت من لندن مركزاً رئيسياً لإدارة أنشطتها الأوروبية، حيث تحتضن اليوم أكثر من 60 منظمة «إخوانية».
ترتبط هذه البنية المالية بيوسف ندا، أحد أبرز مموّلي «الإخوان»، الذي أسّس «بنك التقوى» لربط التدفقات المالية بين الشرق الأوسط وأوروبا، قبل أن تُجمّد أصوله وتُحظر أنشطته عقب هجمات 11 سبتمبر، لارتباطه بتمويل الإرهاب.
تتجلّى الخلفية الفكرية للجماعة في وثيقة «المشروع» المؤرّخة عام 1982، والتي عُثر عليها أثناء تفتيش منزل ندا، حيث رسمت هذه الوثيقة خطة استراتيجية لـ «فتح الغرب» من خلال التمويل السري لإنشاء مجتمعات موازية، تضمن تحقيق أهداف الجماعة الإرهابية.
في الثمانينيات، اتجه قادة «الإخوان» إلى إنشاء هيكل مؤسّسي على مستوى أوروبا، فأنشأوا عام 1989 اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، مع استمرار الشبكة في توسيع حضورها عبر مؤسسات تخدم أهدافها تحت مظلّة مشاريع تحمل عناوين براقة مثل «تجديد الخطاب الديني» و«أسلمة المعرفة»، من خلال المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والمجلس الأوروبي للفتوى.
 يظهر الحضور «الإخواني» في أوروبا عبر صياغة استراتيجيات تمويه تعتمد خطاباً مزدوجاً، فأمام وسائل الإعلام وصنّاع القرار في أوروبا، تقدم الجماعة نفسها كشريك مدني يتبنّى لغة منفتحة، بينما يحمل الخطاب في مراكزها أيديولوجيا إقصائية تُركّز على التطرف. ولحماية هذا الوجود، توظِّف الجماعة اتهامات «الإسلاموفوبيا» بشكل ممنهج كأداة ضغط لشيطنة منتقديها.
وقد توازى هذا التمدد مع تحوّل استراتيجي حاسم انتقلت فيه الجماعة إلى بناء «اقتصاد الظل» لتمويل أنشطة الجماعة المتطرفة، حيث تُقدَّر ثروات التنظيم المالية في بريطانيا وحدها بما يتراوح 10 مليارات دولار. وتخضع هذه الهندسة المالية المعقّدة لإشراف إبراهيم الزيات، الذي يُوصف بـ «وزير مالية الإخوان في أوروبا» ويدير شبكة تضم 13 شركة في أوروبا. وتتعدد قنوات هذا الاقتصاد لتمزج بين الاستثمارات العقارية مثل مؤسسة «أوروبا ترست»، وبين السيطرة على قطاعات حيوية كصناعة المنتجات والأغذية «صناعة الحلال» والترويج لأدوات التمويل والصكوك الإسلامية والعملات الرقمية.
تعتمد الشبكة «الإخوانية» في أوروبا على عدد من الشركات التي تُستخدم لاستقطاب الأموال وإخفاء الارتباطات التنظيمية. ومن أبرزها شركة «ياس للاستثمار والعقار» في لندن، التي يديرها «الإخواني» الهارب عبدالرحمن الجابري، المصنَّف على قوائم الإرهاب في الإمارات مع شلّته الإرهابية أحمد الشيبة وحمد الشامسي، وقد اختُير اسمها بما يوحي بالارتباط بجزيرة ياس في أبوظبي في محاولة لاستمالة المستثمرين الخليجيين. كما يُدير الجابري شركة «نافل كابيتال»، وهي شركات هدفها الحقيقي غسيل الأموال وتأمين التحويلات المشبوهة للتنظيم الدولي.
ويمتدُّ تمويل «الإخوان» في أوروبا من الاستثمار إلى استغلال المنح والضرائب، حيث استفادت المنظمات «الإخوانية» من التمويل الأوروبي. ومن ذلك استفادت بعض المنظمات في بريطانيا، كجمعية HHUGS، من أموال دافعي الضرائب، وحصول منظمات كبرى مثل «منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية» و«منتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية» على مِنح من أوروبا، وقد قامت هذه المنظمات بتوجيه هذه الأموال لدعم كيانات إرهابية.
وفي بُعدٍ آخر، استغلت القيادات «الإخوانية» المقيمة في أوروبا، المنصات الرقمية في حملات تستهدف تشويه دولها. وللأسف، وجدت فئات ممن اختاروا معاداة أوطانهم منابر تحتفي بهم، فصار هؤلاء الخونة أدوات للطعن في بلدانهم.
تفرض هذه المعطيات الحاجة إلى استراتيجية لمواجهة شبكات «الإخوان» وأنشطتها الاقتصادية، تقوم على تعزيز التنسيق الدولي، ورفع مستوى الوعي بمخاطر هذه الجماعة، كما شهدت النمسا والولايات المتحدة إجراءات متقدمة في مواجهتها، بينما تتواصل في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية مراجعات ونقاشات حول مخاطر جماعة «الإخوان».
وتبقى التجربة الإماراتية من أهم التجارب التي يمكن الاستفادة منها، فقد واجهت الإمارات «الإخوان» مبكراً، وكشفت طبيعة مشروعها الإرهابي، وعملت على تجفيف منابع تمويلها، ومواجهة خطابها الأيديولوجي، لهذا لم يكن مستغرباً أن تتصدر الإمارات قائمة الدول المستهدفة من حملات «الإخوان» الإعلامية، لأنها كانت من أوائل الدول التي واجهت خطورة الجماعة وتعاملت معها برؤية واضحة وإجراءات فاعلة. 


*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.