تحمل الجغرافيا في تصورات كثير من الأمم، معنى القدر الذي يُحيط بمصير الدولة، إذ يُرسم موقعها ومساحتها ووفرة مواردها سقفاً نهائياً لطموحها، وتُختزل مقدرتها في معادلة ثابتة بين المكان والإمكان، وكأن خريطة الجغرافيا تكتب مسبقاً فصول التاريخ. تقدّم التجربة الإماراتية اليوم، وسط الاضطراب الذي يشهده مضيق هرمز، شاهداً على إمكانية مغايرة، حيث تتحول الجغرافيا من قيد يُكبّل الخيارات إلى مادة خام تُعاد صياغتها بالإرادة والتخطيط، فتصبح المسافة بين الموقع والمصير مسافة تُقاس بعمق التدبير، لا بثبات الخريطة.
بينما تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق إلى مستويات متدنية، وتعرضت ناقلات تابعة لـ«أدنوك» لهجمات متكررة أثناء عبورها الممر الاستراتيجي، وقفت الإمارات موقف الدولة الواثقة من عمقها الاستراتيجي. طالبت بحزم بإعادة فتح المضيق كاملاً وغير مشروط، ووصفت هذه الاعتداءات بأعمال القرصنة، متمسكة بمبدأ حرية الملاحة ركيزةً للأمن الإقليمي والعالمي. يكشف هذا الثبات، في لحظة تتأرجح فيها موازين المنطقة، عن فلسفة أعمق من مجرد رد الفعل الدبلوماسي، فلسفة دولة اختارت منذ عقود أن تُحصّن اقتصادها ومكانتها بعيداً عن أسر ممر مائي واحد، مهما بلغت أهميته الاستراتيجية، وأن تجعل من هدوئها السياسي مرآة لثقتها بمتانة بنيانها الداخلي.
تكفي الأرقام لتأكيد هذا التوجه. سجّل الاقتصاد الإماراتي في الربع الأول من عام 2026 نمواً بنسبة 3%، بينما قفز الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 4.8%، لترتفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني إلى 79.4%، مقارنة بـ78% في الفترة ذاتها من العام السابق. وتصدّرت الأنشطة المالية والتجارية وقطاع المعلومات والاتصالات هذا الأداء، في مؤشر على اتساع قاعدة الإنتاج الوطني، وابتعادها التدريجي عن التمركز حول مصدر واحد للثروة. تعكس هذه المؤشرات، المتحققة في ظرف إقليمي مشحون بالتوتر العسكري وتذبذب أسواق الطاقة، نضج نموذج اقتصادي بُني على التنويع منذ زمن بعيد، حين أدركت القيادة الإماراتية أن الثروة النفطية زائلة، وأن الموقع الجغرافي وحده يظل عاجزاً عن صناعة مناعة حقيقية ما لم يُستثمر عقلاً واستراتيجية تستشرف ما وراء اللحظة الراهنة.
تتجلى هنا فلسفة إدارة الدولة في الإمارات بأوضح صورها، إدراكاً مبكراً بأن الجغرافيا مادة تُدار، وليست مصيراً يُستسلم له. إن تحويل موقع صغير على خريطة العالم إلى مركز مالي وتجاري ولوجستي عالمي، وتحويل التحديات الأمنية المحيطة إلى دافع لتعميق الشراكات وتوسيع القاعدة الاقتصادية، يعكسان عقلية إدارية تنظر إلى الأزمة اختباراً للمرونة، ومناسبة لتجديد المسار عوضاً عن توقفه. وفي هذا المعنى صدىً لحكمة قديمة عرفها مفكرو العمران البشري، مفادها أن عصبية الدول ومنعتها لا تُقاس بسعة أرضها، وإنما بقدرتها على تحويل الظروف المحيطة، مهما بدت قاسية، إلى طاقة عمران وبناء.
كذلك تكشف هذه اللحظة عن معادلة حكم رشيدة تجمع بين الثبات في المواقف السيادية والمرونة في الأدوات الاقتصادية. فالدولة التي تدين الاعتداء على ناقلاتها بلغة القانون الدولي، هي ذاتها التي تواصل جذب الاستثمارات وتوسيع قطاعاتها المالية والتقنية بلا توقف. وفي هذا الجمع بين الحزم السياسي والدينامية الاقتصادية، يكمن سر الاستمرارية الإماراتية عبر عقود من التقلبات الإقليمية، إذ تُدار الأزمة بمنطق المؤسسة، وتُدار الفرصة بمنطق الرؤية بعيدة المدى.تصنع الإمارات اليوم، بين مضيق مضطرب واقتصاد صاعد، ما يتجاوز النجاح الظرفي العابر، إذ تجسّد فلسفة حكم ترى في كل تحدٍّ فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وجغرافيتها، وبين الأزمة ومسار النهوض. وهذه، في نهاية المطاف، حكمة الدول التي تصنع مصيرها بيدها، عوضاً عن أن تنتظره من موقعها على الخريطة، وتكتب سردية نجاحها بمداد التدبير، لا بمداد الصدفة.
*كاتب إماراتي