تعيش الدبلوماسية اليوم امتحاناً يتجاوز إدارة الخلافات إلى إعادة تعريف الممكن بين الدول. فالعالم، وقد تشابكت أزماته واتسعت دوائر القلق فيه، يحتاج إلى شراكات تصنع الثقة قبل الاتفاق، وتؤسس للمصلحة المشتركة قبل اقتسام النفوذ. وهنا تغدو الدبلوماسية عقلاً جماعياً يحمي السياسة من اندفاع القوة، ويمنح الاختلافَ لغةً قابلةً للتفاهم، ويحوّل الجغرافيا من حدود فاصلة إلى فضاء للمسؤولية المتبادلة والمصير الإنساني المشترك.
وفي نيويورك، حيث تنعقد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة، تستعيد الأسرةُ الدوليةُ سؤالَها القديم المتجدد: كيف يمكن للنظام الدولي أن يصون السلم وسط التحولات الكبرى؟ وتشارك دولة الإمارات بوفد يرأسه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، حاملةً رؤيةً ترى في الحضور الدولي ممارسةً للمسؤولية، وفي اللقاءات جسوراً تصل القرار السياسي بحاجات الإنسان.
ينطلق الدور الإماراتي في تعزيز الأمن الدولي من فهم عميق لطبيعة السلام، فهو بناء أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، تتكامل فيه الوقاية من النزاعات، واحترام سيادة الدول، وصون القانون الدولي، وفتح قنوات التواصل. ووفق هذا التصور، تتحرك الإمارات شريكاً موثوقاً يوازن بين صلابة الموقف ومرونة الوسيلة، ويمنح صناعة السلام مضموناً عملياً يقوم على التهدئة، وتوسيع مساحات التوافق، وربط الاستقرار بازدهار الشعوب.
ويتصل الأمن، في الرؤية الإماراتية، بالتنمية اتصالَ الروح بالجسد، فالمجتمعات التي تملك التعليم وجودة الحياة والطاقة والبنية التحتية، وفرص العمل أقدر على حماية استقرارها وصناعة مستقبلها. وقدمت الإمارات من قلب الشرق الأوسط نموذجاً مضيئاً يجمع الانفتاح الاقتصادي، وكفاءة الدولة، والاستثمار في الإنسان. لذا يمتد حضورها التنموي عالمياً عبر الشراكات والمشروعات والمساعدات التي تدعم أهداف التنمية المستدامة، وتحوّل التضامن من قيمة خطابية إلى قدرة إنتاجية دائمة.
ومن التنمية إلى تسوية النزاعات، تتجلى الدبلوماسية الإماراتية في رعاية المصالحات، وتيسير الوساطات، وتغليب الحلول السياسية، بالتوازي مع مواجهة الإرهاب وتجفيف موارده الفكرية والمالية. وحين تقع الكارثة، تتحرك المساعدات الإنسانية بوصفها واجباً يحفظ الكرامة، ثم تتبعها جهود التأهيل وإعادة البناء، لأن إنقاذ الإنسان يكتمل باستعادة المجتمع قدرتَه على العمل والتعليم والإنتاج، وبناء المناعة التي تحميه من دورة العنف والتطرف.
ويحضر الماء في هذه الرؤية بوصفه جوهر الحياة وأحد مفاتيح الاستقرار المقبل. فاستضافة الإمارات مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، بالشراكة مع السنغال، تعبّر عن انتقال القضية من هامش السياسات إلى مركزها. ويتكامل ذلك مع إرث مؤتمر «كوب 28»، والاستثمار في الطاقة النظيفة، وتمويل الحلول المناخية، وتطوير تقنيات التحلية وكفاءة الاستهلاك، سعياً إلى عقد جديد يجمع الأمن المائي والعدالة المناخية والتنمية.
وفي ميدان الذكاء الاصطناعي، اختارت الإماراتُ موقعَ الفاعل الذي يصوغ التحولَ ويستثمر في أدواته. فقد جعلت من التكنولوجيا المتقدمة ركناً في الإدارة والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي، وربطت الطموح التقني بمبادئ الحوكمة والمسؤولية. وتنبع أهمية هذا المسار من إدراك أن السيادة في القرن الجديد ستقاس بامتلاك المعرفة، وأن الشراكات التقنية تمنح الابتكار بعداً إنسانياً يوسّع المنفعة ويصون المجتمعات من مخاطر الاستخدام المنفلت.
وسط هذا المشهد، تبدو الأمم المتحدة في حاجة إلى ترميم وظيفتها ومعناها معاً، فالمؤسسات تعيش بقدر ما تستجيب للتحولات، والشرعية تترسخ حين يشعر الإنسان أن النظام الدولي يسمع آلامه ويحمي حقوقه. ومن هنا تكتسب جهود الإمارات مع المنظمة قيمتها، إذ تدفع نحو تعددية أكثر كفاءة، وشراكات أوسع أثراً، واستجابة أسرع للأزمات، ضمن تصور يعيد وصل الميثاق بواقع العالم، ويمنح العمل الجماعي روحاً متجددة وقدرة على الإنجاز.
إن الشراكات اليوم هي الحكمة السياسية في صورتها العملية، لأن التحديات العابرة للحدود تستدعي إرادةً عابرةً للمصالح الضيقة. والحوار يمنح القوة بصيرة، فيما تمنح الدبلوماسية المصالح أفقاً أخلاقياً واستراتيجياً. بهذا المعنى، تقدم الإمارات خطاباً يقوم على بناء الجسور، وتوسيع الممكن، وتحويل التباين إلى فرصة للتفاهم، فالمستقبل تصنعه الدول التي تتقن الإصغاء، وتملك شجاعة المبادرة، وتؤمن بأن السلام مشروع يُبنى كل يوم.
*كاتب إماراتي


