أكدت قمة مجموعة «بريكس»، التي اختتمت أعمالها مؤخراً، على تكاتف دول المجموعة لتشكيل جبهة موحدة. ومنذ نشأتها، قبل 20 عاماً، عملت مجموعة «بريكس» كقوة ضاغطة للمطالبة بتمثيل أكبر للدول النامية في المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يتماشى مع النفوذ المتزايد للاقتصادات الآسيوية الناشئة. ولم يتضح بعد كيف ستمضي المجموعة قدماً في أجندتها وتتوصل إلى نتائج ملموسة تعود بالنفع على الدول النامية ودول الجنوب العالمي.
واستضافت الهند قمة العام الحالي في ظل شعور واسع بعدم اليقين الجيوسياسي. كما شكلت القمة اختباراً لقدرة المجموعة على التوافق بشأن القضايا الخلافية والتطورات الجيوسياسية التي تواجه المجتمع الدولي، بدءاً من الحرب في أوكرانيا والصراع في إيران، ووصولاً إلى التوترات بشأن السياسات التجارية بين الدول النامية والمتقدمة.
وتمثل بريكس اليوم قرابة نصف سكان العالم ونحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي حصة تفوق حتى حصة مجموعة السبع. وتضم المجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومصر والإمارات والسعودية وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا. وتمكنت الهند من التوصل إلى توافق داخل المجموعة، التي اتحدت في الدعوة إلى ضبط النفس وأعربت عن «قلق عميق إزاء استمرار تصاعد التوترات» في غرب آسيا.
وصدر «إعلان نيودلهي» في اليوم الرئيس للقمة، واستخدم لغةً عامة حظيت بقبول جميع الدول الأعضاء، إذ جاء فيه: «نعرب عن قلقنا العميق إزاء استمرار تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وإذ نستذكر مواقفنا الوطنية، ندعو إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من تفاقم الوضع».
وفيما يتعلق بقطاع غزة، اتخذت الدول موقفاً حازماً يدين العنف المستمر هناك، ويعارض التهجير القسري للفلسطينيين، ويطالب بضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق. وبعيداً عن قضايا الصراع، تمثلت إحدى نقاط التوافق بين دول «بريكس» في ضرورة أن تشغل هذه الدول، بصفتها اقتصادات ناشئة، مكانتها المستحقة في المؤسسات المالية والمنظمات متعددة الأطراف بجانب الدول الغربية. وأشار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في كلمته الافتتاحية أمام القمة، إلى أن الهيكل الحالي للحوكمة العالمية يضع دول «الجنوب العالمي» في الصفوف الخلفية، مؤكداً ضرورةَ تغيير هذا الوضع. وتمثلت إحدى نقاط التوافق الأخرى في الدفع نحو اعتماد أنظمة للمدفوعات العابرة للحدود؛ حيث أشاد القادة بجهود «فريق عمل مجموعة بريكس للمدفوعات» في استكشاف آليات لتنفيذ هذه المدفوعات.
وبينما مثلت هذه الجوانب نقاط التقاء مشتركة، تظل المسألة الجوهرية بالنسبة لمجموعة «بريكس» هي النتائج الملموسة وآليات التعاون بين الدول الأعضاء لمعالجة القضايا الرئيسة التي تواجه دول الجنوب العالمي. وقد أتاحت مجموعة «بريكس» للهند فرصةً لتعزيز علاقاتها الثنائية مع مجموعة من الدول؛ فخلال اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء مودي والرئيس الصيني شي جين بينج، اتفق الجانبان على مواصلة الجهود لتحقيق الاستقرار على الحدود، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتحسين شبكات النقل والربط. كما شدد الزعيمان على ضرورة تعزيز التبادل الثقافي والروابط التجارية وتسهيل حركة التنقل بين البلدين.
وعقد مودي اجتماعاً مع سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، واصفاً العلاقة القوية بين الهند والإمارات بأنها رمز للسلام والاستقرار. كما ناقشا الأوضاع العامة في غرب آسيا وسبل المضي قدماً بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وشملت المباحثات مجالات الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والمعادن الحيوية، والطاقة، والأمن الغذائي، والربط والاتصال.
وفي حين أتاحت قمة بريكس للدول فرصةً لتعزيز العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، يرى كثيرون أن بإمكانها أن تحل محل النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن من الناحية الواقعية، فإن الفهم الأدق لبريكس هو ذلك الذي يراها كائتلاف لدول تسعى إلى تقليص اعتمادها على المؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تدعو كل من الهند والبرازيل إلى إصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمنح الدول النامية تمثيلاً أكبر، وهما ترغبان في الحفاظ على طابع المجموعة غير الغربي، من دون أن تتحول إلى كيان معاد للغرب.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


