ظهر أن الهدف الرئيسي من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في الدولة الواقعة بأميركا الجنوبية. أما في كوبا، فيبدو أن الرئيس دونالد ترامب يصبُّ تركيزه على الموارد المعدنية، تحديداً النيكل والكوبالت، إلى جانب الاهتمام بإمكانات العقارات التجارية في الجزيرة الكاريبية.
وتقوم سياسة إدارة ترامب الخارجية، وقد تبلورت في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً للولايات المتحدة يستبعد غيرَها من القوى العالمية. لكن يغيب عن هذه الاستراتيجية المشروعُ الأميركي التقليدي حول نشر الديمقراطية والإصلاح السياسي. وبدا وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز مرحِّباً بهذا الغياب، حيث قال في يوليو الماضي إن كوبا تظل منفتحة على الحوار والحل السلمي للخلافات، على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
لكن التقليل من شأن الديمقراطية وتهميش هدف الولايات المتحدة القديم، متمثلاً في الانتقال السياسي من الشيوعية إلى الديمقراطية لا يروق لبعض الأصوات المحافظة، لاسيما مجتمع الأميركيين الكوبيين المؤثّر في فلوريدا. ويواجه أعضاءٌ «جمهوريون» من أصول كوبية في الكونغرس معارضةً شعبيةً شديدةً في دوائرهم الانتخابية، إزاء مؤشرات على اتفاق مع الحكومة الكوبية، على غرار الاتفاق الفنزويلي، يُعطي الأولوية للأعمال التجارية على حساب السياسة.
ومنذ أيام، أعلنت النائبة الأميركية ماريا إلفيرا سالازار اختلافَها مع ترامب بشأن سياسات الهجرة، قائلةً إن الناخبين من أصول لاتينية «يشعرون بالخيانة». ورغم أنها كانت من أشد المؤيدين لخطاب ترامب المتشدد تجاه كوبا، فإنها انتقدت اتفاقيةَ النفط مع الحكومة الفنزويلية.
ويرى محلّلون أن هذه العوامل تساعد في تفسير فتور المحادثات التي بدت في وقت سابق واعدة. وقال إدواردو غامارا، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة فلوريدا الدولية، إن اقتراب انتخابات التجديد النصفي ربما أدى إلى توقف النشاط الدبلوماسي الذي كان يبرز نهج الإدارة القائم على «المصالح التجارية لا السياسة» تجاه كوبا. وأضاف أن إدارة ترامب تقول عملياً: إذا نجحنا في الحصول على ما نريده من فنزويلا عبر التعامل مع النظام بدلاً من محاولة تغييره أولاً، فسنجرّب الأمر نفسَه في كوبا.
لكن دكتور غامارا يشير إلى أن استطلاعات جامعة فلوريدا الدولية تُظهر أن نهج «الحكم المشترك» وتأجيل قضايا الشيوعية والحقوق السياسية لا يحظى بشعبية في الجالية الكوبية الأميركية. كما أن إدراج الكوبيين في حملة الترحيل التي ينفّذها ترامب يضعف دعمَ الجمهوريين.
وتؤكد الحكومة الكوبية انفتاحَها على الحوار مع واشنطن وترحيبَها بالاستثمار الخاص الأميركي، وقد أقرّت العامَ الجاري إصلاحات اقتصادية لتشجيع الاستثمار الأجنبي. لكنها تُدين في الوقت نفسه الحصار النفطي والعقوبات التي تقول إنها تعرقل الإصلاحات.
وقال كارلوس فرنانديز دي كوسيو، نائب وزير الخارجية الكوبي، مؤخراً، إن «كوبا لا تُشكِّل أي تهديد للولايات المتحدة، ومن غير المنطقي الاعتقاد بذلك». وأضاف أن بلاده تنفّذ تغييرات عميقة، بينما تعاني «عدواناً اقتصادياً متواصلًا» يرقى إلى عقاب جماعي للشعب الكوبي.
ويقول مسؤولون كوبيون إن النظام السياسي والاجتماعي للبلاد غير قابل للتفاوض، وإن بلادهم ستواصل الإصلاحَ الاقتصادي، مع الإبقاء على دور الحكومة في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
ويقرُّ خبراء في الشأن الكوبي بأهمية هذه الإصلاحات، لكنهم يشدّدون على ارتباطها بالضغوط التي تفرضها إدارة ترامب واستراتيجيتها الأوسع في نصف الكرة الغربي.
وقال جون كافوليتش، رئيس مجلس التجارة والاقتصاد الأميركي الكوبي، إن الحكومة الكوبية أقرّت خلال الأشهر التسعة الماضية إصلاحات أكثر من أي وقت منذ ثورة 1959. وأضاف أن إدارة ترامب متفائلة إزاء حصولها على نتائج أكبر من هافانا عبر الدبلوماسية القائمة على الصفقات، مقارنة بالنماذج التقليدية، وأن ترامب يعتبر أن الإطاحة بمادورو هي التي أتاحت المحادثات مع كوبا.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً عقوبات جديدة على شركات استخراج المعادن في كوبا وكيانات تديرها الدولة وتشارك في تطوير الأسلحة. ويقول كافوليتش إن الحكومتين تتحدثان يومياً عبر الشركات الخاصة، مع وجود صفقات استثمار أميركية خاصة قيد الإعداد حالياً.
ويراقب الخبراء عن كثب دور الوجه الآخر للدبلوماسية الكوبية، متمثلاً في طريقة تعامل وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو ابن لمهاجرين كوبيين، مع الأوضاع، حيث أوكل إليه ترامب ملف كوبا. ويجد روبيو نفسَه بين نهج رئيسه القائم على الصفقات والمتشددين في فلوريدا المطالبين بتغيير النظام في قاعدته السياسية.
*كاتب متخصّص في السياسة الخارجية الأميركية والصراعات الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


