تبلغ الانقساماتُ السياسية في الولايات المتحدة ذروتَها مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وبالطبع، لا يُعد وجود خلافات حادة بين الأميركيين حول أوضاع البلاد أمراً فريداً، إذ تظل الحرب الأهلية، التي دارت بين عامي 1861 و1865، المثال الأبرز على انقسام الأمة الأميركية على نفسها.
وخلال ثلاثينيات القرن الـ20، عارض كثير من الأميركيين التقارب الوثيق مع القوى الأوروبية وأيدوا سياسة العزلة، جزئياً بسبب إخفاق الحرب العالمية الأولى في إنهاء الخصومات والصراعات القومية الكامنة في أوروبا. وفي وقت أقرب، أثارت حرب فيتنام جدالاتٍ داخليةً مريرةً ومظاهراتٍ وأعمالَ عنف بشأن مدى حكمة السياسة الخارجية الأميركية. واليوم، أضافت الحربُ مع إيران مصدراً آخر للانقسام. فقد فرض الصراعُ تكاليفَ عسكرية واقتصادية كبيرة.
وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن العمليات العسكرية الأميركية بلغت تكلفتها نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، مع تكاليف إضافية تتراوح بين ملياري دولار و3 مليارات دولار شهرياً، حسب حدة القتال. كما أدت الحرب إلى اضطراب أسواق الطاقة وزيادة الضغوط على الأسعار. وتمتد آثار هذه التداعيات إلى مناطق أبعد بكثير من واشنطن. ومع ذلك، أظهرت ثلاثةُ أحداث شهدها العامُ الحالي أنه لا تزال هناك مناسباتٌ يستطيع فيها الأميركيون إيجادَ أرضية مشتركة بعيداً عن السياسة الحزبية.
كان الحدث الأول هو بطولة كأس العالَم 2026، التي جذبت زواراً من مختلف أنحاء العالم إلى المدن الأميركية، وأتاحت لملايين الأميركيين فرصةً للمشاركة في مشاعر حماسية لا تتعلق بالسياسة الحزبية على الإطلاق. وكانت الإثارةُ المحيطةُ بالمباريات والاهتمام بالمنتخب الأميركي بمثابة تذكير مرحَّب به بأن الأميركيين لا يزالون قادرين على المشاركة في تجربة وطنية مشتركة. وكان الحدث الثاني، الأكثر استثنائيةً، رد الفعل تجاه وفاة الفنانة «دولي بارتون» عن عمر ناهز 80 عاماً، في 25 أغسطس الماضي. فقد كانت إحدى أكثر الفنانين شعبيةً في جيلها، وتمتعت بقاعدة جماهيرية عالمية. ورغم أنها كانت من أشد المؤيدين لبعض القضايا، فإنها نأت بنفسها عموماً عن السياسة الحزبية، إذ ركّزت أغانيها في الغالب على الحب والأسرة والعمل والمصاعب وتجارب الحياة اليومية. لذا، فقد اتسمت ردود الفعل على وفاتها بمشاعر واسعة من المحبة والحزن. وأمر الرئيس دونالد ترامب بتنكيس الأعلام الأميركية في أنحاء البلاد.
وتحولت وفاتُها، بالنسبة للعديد من الأميركيين، إلى لحظة للتعبير عن التقدير المشترك بدلاً من أن تكون مجالاً لجدال سياسي. أما الحدث الثالث، فكان الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر 2001، والتي أعادت تذكير الأميركيين بالوحدة الاستثنائية التي أعقبت المأساة. ففي أعقاب الهجمات مباشرة، دعا الرئيس جورج دبليو بوش إلى التضامن الوطني، وحثَّ الأميركيين صراحةً على عدم معاداة الأميركيين المسلمين.
وبعد 25 عاماً، جمعت مراسمُ إحياء الذكرى مجدداً القادةَ السياسيين والناجين وأسر الضحايا والأميركيين من أنحاء البلاد، لإحياء ذكرى ما حدث. ولا يتمثل الدرس المستفاد من تلك اللحظات في أن الأميركيين توقفوا عن الاختلاف.. فهذا لم يحدث. كما أن الوحدة الوطنية لا تتطلب الاتفاق حول كل قضية. فالاختلاف أمر حتمي، وغالباً ما يكون ضرورياً. وما يهم حقاً هو ما إذا كان يمكن للاختلاف التعايش مع الإدراك بأن الأشخاص الموجودين على الجانب الآخر من أي جدال هم مواطنون في الوطن نفسه، وليسوا أعداء.
ويُظهر تاريخُ الولايات المتحدة خطر فقدان هذا التمييز، كما يُظهر قدرتَها على استعادته. ويأمل كثير من الأميركيين أن تتمكن البلاد، بعد انتخابات التجديد النصفي، من إيجاد طريقة أفضل للتعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية التي تراكمت خلال موسم الحملات الانتخابية الطويل والمرير.
ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان العامان الأخيران من إدارة ترامب سيشهدان تعاوناً أكبر أم انقساماً أعمق. وقد أثبت الأميركيون، في المناسبات الرياضية أو عند مواجهة الخسائر الثقافية أو في لحظات إحياء الذكريات الوطنية، أن الأرضية المشتركة لا تزال قائمة. وسيكون العثور عليها في الساحة السياسية أكثر صعوبة. لكن الاحتمال لا يزال قائماً، وفي بلد يعاني من الانقسام، يجدر بنا أن نضع هذا الاحتمال في الاعتبار.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن


