يواصل العالم تجاهل الطبيعة بينما تتلاشى هذه الأخيرة من حولنا. وفي ظل تيارات الاضطرابات الجيوسياسية والتكنولوجية والاقتصادية، قد تبدو حماية البيئة ترفاً، ومسألة مؤجلة حتى يعم السلام العالم. ولكن حينها، سيكون قد فات الأوان.
وتختفي أنواع الحياة البرية بوتيرة يصعب استيعابها، إذ يُقدر العلماء أن الكوكب يفقد أنواعاً بمعدل ألف ضعف المعدل الطبيعي. وما يقرب من نصف أنواع الحيوانات في تراجع. وبين عامي 1970 و2020، انخفضت أعداد الفقاريات التي خضعت للمراقبة بنسبة 73% في المتوسط، وأعداد الكائنات الحية في المياه العذبة بنسبة 85%. كما يسرع ارتفاع درجات حرارة الكوكب من انهيار الطبيعة، مما يُسرع بدوره من وتيرة تغير المناخ.
وليست هذه أزمة بيئية فحسب، بل اقتصادية أيضاً. فبحسب تحليل لشركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، يعتمد أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي، بما يقدر بـ58 تريليون دولار، بدرجة متوسطة أو كبيرة على الطبيعة. ويقدر البنك الدولي أن انهيار خدمات بيئية أساسية، مثل التلقيح ومصايد الأسماك والأخشاب، قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 2.7 تريليون دولار سنوياً بحلول 2030.
ولا ينبغي أن تنافس الطبيعة الأولويات الأخرى، فهي الأساس الذي تقوم عليه من خلال الغذاء والمياه والهواء. ويجعل تدهور النظم البيئية مشكلات الأمن الغذائي والهجرة والاستقرار المالي أكثر صعوبة وكلفة. فالطبيعة بنية تحتية حيوية، وليست مورداً مجانياً لا ينضب. كما أنها مصدر للجمال والإلهام، من السلاحف ضخمة الرأس التي تزحف إلى الشواطئ لتضع بيضها، إلى الدلافين وطيور المستنقعات. وهذا وحده سبب كافٍ للحفاظ عليها.
ما يبعث على الأمل أن الكثير من أدوات حماية الطبيعة موجود بالفعل. وقد نشر معهد بولسون، بالتعاون مع منظمة حفظ الطبيعة والصندوق العالمي للطبيعة، دليلاً عملياً لتمويل حمايتها، يرصد الآليات التي أثبتت نجاحها ويجب توسيعها.
وتُطبق مبادرات تحويل الديون إلى تمويل لحماية الطبيعة في دول مثل بربادوس وجزر البهاما والإكوادور، فتخفض الديون أو تعفي جزءاً منها مقابل التزامات بالحفاظ على الطبيعة. وفي الإكوادور، من المتوقع أن يؤدي تحويل ديون بقيمة مليار دولار في ديسمبر 2024 إلى توليد أكثر من 800 مليون دولار بحلول 2035، ويتيح نحو 400 مليون دولار لحماية ملايين الأفدنة من غابات الأمازون والأراضي الرطبة.
كما تكافئ المدفوعات القائمة على الأداء المزارعين في أوروبا والمجتمعات الحرجية في أفريقيا وآسيا مقابل المنافع العامة التي تحافظ عليها. وتدفع إنجلترا للمزارعين مقابل التربة السليمة والمياه النظيفة وموائل الحياة البرية.
وتحمي أشجار المانغروف والشعاب المرجانية المستعادة السواحل بتكلفة زهيدة مقارنة بالجدران البحرية، كما تمنع وحدها أضراراً للممتلكات تتجاوز 65 مليار دولار سنوياً. وتستعيد إندونيسيا غاباتها على نطاق وطني بتمويل قدره 400 مليون دولار من البنك الدولي.
وفي كيب تاون بجنوب أفريقيا، أزال صندوق للمياه أشجاراً دخيلة من أكثر من 150 ميلاً مربعاً، فأعاد عشرات المليارات من لترات المياه سنوياً إلى مدينة تعاني الجفاف، وخلق مئات الوظائف. وأُطلقت لاحقاً سندات تدفع للمستثمرين مقابل نتائج مثبتة، فعادت الشجيرات المحلية وانخفض خطر حرائق الغابات.
وفي إندونيسيا، تدير مجتمعات ساحلية مناطق صيد خاصة ضمن أول سند أثر في العالم لمصايد الأسماك الصغيرة، حيث يسترد المستثمرون أموالهم مع تعافي الأسماك والشعاب المرجانية. وفي إنجلترا، يتعين على معظم مشروعات التطوير الجديدة تحقيق زيادة في التنوع البيولوجي لا تقل عن 10% مقارنة بوضع الموقع قبل التطوير، ما أنشأ سوقاً منظمة للموائل يُتوقع أن تبلغ قيمتها نحو 3 مليارات جنيه إسترليني بحلول 2035.
ومع ذلك، لا تزال الطبيعة تتعرض لدمار أسرع من قدرة الحلول على حمايتها، فالآليات الواعدة لا تزال تجريبية، وقواعد الإفصاح التي تسمح لرؤوس الأموال بالتحرك بثقة لم تكتمل، كما تختلف من ولاية قضائية إلى أخرى، في حين أن عدداً قليلاً للغاية من المشروعات يُنفذ بجودة تجذب التمويل من المستثمرين من القطاع الخاص. وليست المشكلة نقص المال أو الآليات، بل نقص الحوافز المناسبة والإرادة السياسية وإلحاح الأزمة.
ويجب أولاً على حكومات العالم التوقف عن تأجيج المشكلة. فهي تنفق عالمياً خلال شهر واحد على دعم الأنشطة التي تدمر الطبيعة أكثر مما تنفقه على حمايتها طوال عام، من خلال إعانات تشجع إزالة الأراضي وتجفيف الأراضي الرطبة، ودعم الوقود الذي يدفع الطرق والمناجم إلى مناطق هي موائل للتنوع البيولوجي، ودعم مصايد الأسماك الذي يبقي قوارب كثيرة في مطاردة أسماك قليلة. وإعادة توجيه هذه الأموال من أكبر فرص تغيير المسار.
كما تكمن فرصة أخرى في التخطيط لمواقع إقامة المشاريع مع مراعاة الطبيعة. ومع استثمار تريليونات الدولارات في مشروعات جديدة خلال هذا العقد، ينبغي تحديد الموائل الحيوية مسبقاً، ورسم مناطق «ممنوعة» و«محظورة» للبناء وأخرى مناسبة، وإتاحة هذه الخرائط للمستثمرين.
وعندما تلتقي السياسات والتمويل والشركاء المناسبون، يمكن وقف مسار التدمير وتحويله إلى الاتجاه المعاكس. فالنظم البيئية تتعافى والأنواع تعود، كما تثبت تجربة كيب تاون والشعاب المرجانية في إندونيسيا. وما يحدث عندما تتوافق القواعد والمال والجهود المحلية هو أن الطبيعة تستعيد قدرتها على التعافي.
المطلوب الآن قيادة قوية لتوسيع هذه التجارب وتحويلها إلى استراتيجيات عالمية، قبل أن تصل الخسائر البيئية والاقتصادية إلى نقطة لا يمكن عندها لأي تمويل عكسها.إنها أزمة نادرة تمتلك الدول الأدوات ورأس المال والفهم اللازم لحلها، لكنها تفتقر الاهتمام والسرعة وإدراك أن ما تفرط فيه لا يُقدر بثمن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*رئيس معهد بولسون وهو منظمة بحثية مستقلة غير ربحية، وشغل منصب وزير الخزانة الأميركية من عام 2006 إلى 2009.