كان لكلام فضيلة الدكتور خليفة مبارك الظاهري عن «دور الفلسفة والمنطق في حماية الفهم من الزلل والخطأ كأداة وآلة تقدم قوانين منضبطة في الحجاج صفيت من علماء المسلمين، فتسهم في مكافحة التطرف»، ردوداً تفاعلية مؤيدة ومعارضة، وهذا أمر متوقع وإيجابي.
ومما شد انتباهي من تلك الردود أن يجتمع ابن المدرسة «الإخونجية» وابن المدرسة السلفية على رفض ما طرحه فضيلته، إلا أن «الإخونجي» هاجم الفكرة والشخص، كحالهم دائماً، فمغالطة رجل القش (وهي تشويه صورة الخصم) مما امتاز به دعاة «الإخونج». أما السلفي فقد لجأ لدعوى الانتصار للنصوص الشرعية والتزهيد بالفلسفة -في حدود فهم السلفيين لها على ما تناقلوه بالتوارث- ولم يتعرض للشخص ولا التصريح بأن المقصود الرد على ما طرحه الدكتور خليفة.
وقد رأيت أن أكتب هنا ما قد ينفع من كان له عقل رشيد لا متابعة وتقليد دون فحص وتسديد.أقول والعاصم الله: من أصول النظر التي يغفل عنها بعض المتحمسين في نصرة النقل، ليس كلُّ إعمالٍ للعقل إعراضاً عن النقل، كما أن ليس كلُّ انتسابٍ إلى النقل عصمةً من الخطأ في فهمه. وإنما الخلل حين يُجعل العقل والنقل خصمين، مع أن النقل الصحيح الصريح لا يناقض العقل السليم، وأن العقل السليم لا يستقيم له أن يردّ نصّاً ثَبُتَ وصحّتْ دلالتُه.
والفلسفة الإسلامية، في جانبها العقلي المنضبط، لم تكن دعوةً إلى إقصاء الوحي، وإنما كانت محاولةً لتحرير النظر، وتمييز البرهان من الشبهة، وصيانة الاستدلال من التناقض والمقدمات الفاسدة، وهذا ما يقع فيه كل الغلاة على اختلاف مشاربهم، فليس التطرف محصوراً في تنظيم «الإخوان» وفروعه من «القاعدة» و«داعش» وغيرهما، بل التطرف أعم. فالعقل ليس ندّاً للوحي، بل أداةٌ لفهمه، والبرهان الصحيح لا يمكن أن يصادم نصّاً صحيحاً صريحاً، وإنما يقع التعارض المتوهَّم غالباً من خللٍ في ثبوت النص، أو فهم دلالته، أو مقدمات النظر العقلي.
والإنصاف يقتضي ألا نحاكم العقلانية كلها إلى تجاوزات بعض الفلاسفة، كما لا يصح أن نحاكم النقل إلى أخطاء بعض المتنقلين، فالحق لا يُعرف بالانتساب، وإنما يُعرف بصحة الدليل وسلامة النظر.
فليست القضية: عقلٌ أم نقل؟ بل: نقلٌ صحيحٌ وفهمٌ صحيح، وعقلٌ سليمٌ واستدلالٌ صحيح.
فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وأن التعارض بينهما إنما ينشأ من فسادٍ في أحد الطرفين أو في طريقة الجمع بينهما، فإما نقلٌ لم يثبت، أو دلالةٌ لم تُفهم على وجهها، أو عقلٌ لم يستقم برهانه.
وليس استعمال أدوات العقل في فحص الدليل وتمييز البرهان من الشبهة خروجاً على الوحي، بل هو من صميم النظر الذي لا يَستغني عنه فهم الوحي نفسه، إذ كيف يُعرف الصحيح من السقيم، والمحال من الممكن، واللازم من غير اللازم، دون آلةٍ عقلية تضبط مسالك الاستدلال؟
والفلسفة الإسلامية في أرقى صورها لم تجعل العقل حاكماً على الوحي، وإنما جعلت البرهان طريقاً لكشف التناقض الوهمي، ودفع الشبهات، وإثبات أن ما صح عن الله ورسوله لا يمكن أن يناقض بداهة العقل وقواطع البرهان. فإذا بدا التعارض، فالمراجعة أولى أن تتجه إلى الثبوت أو الدلالة أو المقدمة العقلية، لا إلى افتراض أن أحدهما لا بد أن يكون باطلاً لمجرد أن صورته الأولى لم تتوافق مع الأخرى.
والعجيب أن التحذير من مجاراة العقول قد ينقلب، إذا أُطلق بلا تمييز، إلى تعطيلٍ لأعظم أداةٍ بها يُعرف صدق الدعوى من بطلانها، وصحة الاستدلال من فساده.
فالخصومة الحقيقية ليست بين العقل والنقل، وإنما بين العقل السليم والعقل الفاسد، والنقل الصحيح والنقل غير الصحيح، والفهم المنضبط والفهم المتعجل.
ومن اعتصم بالوحي حقاً، لم يحتج إلى إطفاء نور العقل ليحميه، لأن النور لا يناقض النور.


