دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي لن تفتقد الفرص للاستفادة من مظاهر الانتعاش الاقتصادي والمالي والتجاري الحاصل لديها حالياً، فهي جميعها دون استثناء أصبحت موطناً لنمو اقتصادي وتنمية شاملة مستدامة على كافة الأصعدة، وهي حالياً من بين الأبرز والأقوى والأسرع تنموياً على مستوى العالم.
هذه الدول الست وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، تمكّنت من تحقيق وحيازة حصة واسعة في مجال استقلالية التنمية الاقتصادية على صُعد التمويل والتجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، والمعاملات المالية الدولية، وهذه جوانب من القوة والاتساع والرصانة بما فيه الكفاية لكي تشكّل قوة إضافية إلى عناصر القوة الناعمة والصلبة، التي تحوزها هذه الدول مجتمعة، وهي كافية لردع أية تصرفات إيرانية رعناء، بحيث تصبح مُكلفة جداً لها لو هي تجرأت وأقدمت عليها واقترفتها أو اتخذتها كخيارات أولية لها لتصرفاتها وممارساتها في الخليج العربي.
جميع دول المجلس تعي جيداً بأن تمادي إيران في العداوة نحوها عن طريق اختلاق صراعات إقليمية مدمرة، ستكون لها آثار وتداعيات كارثية.
لكي يبقى أنه لا يمكن الافتراض بأن الثروات المتزايدة والدعم المتبادل والتعاون الوثيق القائم بين دول المجلس، سيحقق ويضمن ميزان قوة عادل بينها وبين إيران، يضمن الاستقرار في المنطقة ما لم ينشأ نظامٌ قوي للأمن والدفاع المشترك الجماعي، تتم إدارتُه وقيادتُه بأقصى درجات الحنكة والكفاءة والحذر الشديد، وهذا هو ما يمكن أن نُطلق عليه مسمياتٍ جديدة خاصة بدول المجلس كتوازن القوة الخليجي والناتو الخليجي وغيرهما.
إن هذه طموحات لو تم الأخذ بها ستكون رابحة جداً وتحقق «التبادل المصلحي الخليجي».
توجد أمامنا أمثلةٌ تاريخيةٌ كبيرةٌ يمكن قراءتها بتمعن والخروج منها بدروس مفيدة وتصورات متفائلة على أدلة قاطعةـ بأن التكتل الجاد والحاسم المبني على إدراك المصالح الوطنية العليا للدول الست مجتمعةً هو مسار واقعي ومنطقي لتحقيق الأهداف في الدفاع عن النفس المَشُوب بإصرار شديد على تحقيق النصر.
وهنا يجب إدراكُ بأن الدول لا تتحرك على الساحة الدولية وفقاً للحسابات الاقتصادية وحدها، فهي ليست بمجموعة من المحاسبين وأصحاب الشركات الذين يرغبون في تحقيق الأرباح في نهاية العام.
فبالنسبة للدول والحكومات والشعوب يوجد مزيج من معاني العزة والسعادة والكرامة والحس الوطني والزهو بالأوطان والخوف عليها، وربما يدخل في هذا المزيج أيضاً شيء من ارتكاب الأخطاء في الإدراك المستقبلي عند اتخاذ القرارات الخطيرة، لكن مجمل هذه القضايا المتشابكة هي التي تشذب وتصنع ما الذي على الدول القيام به وكيف يمكن ذلك.
ومع تغير ميزان القوة في الخليج العربي في هذه المرحلة ستتواجد حتماً مناسبات تصبح فيها التأثيرات غير الاقتصادية تؤثر على وتقود القرارات المتخذة متجاوزةً المنطق الاقتصادي والقوة العسكرية للخصوم.
منذ عام 1979 أصبح الخليج العربي إقليماً مفعماً بالأزمات وصراعات ليست من إنتاج دول مجلس التعاون الخليجي، لكن إمكانية خلق توازن القوة بين القوى الفاعلة فيه أمر ممكن، والأوضاع فيه قابلة للقراءة الصحيحة بما يمكن أن يفضي إلى حل المشاكل التي تنشأ بين دوله، هكذا كانت تسير الأمور قبل 28 فبراير 2026.
لكن بعد ذلك التاريخ تغيّرت الأوضاع كثيراً، فإصرار إيران على السعي لامتلاك أسلحة نووية وتعرضها لأنواع من الدمار الهائل والتحجيم عسكرياً واقتصادياً، وإصرارها على الاعتداءات غير المبررة على دول المجلس هي أدلة إضافية على الانكشاف والاختراق الذي تتعرض له حالياً، وعلى الضعف والانكسار الذي ستعاني منه على مدى العقود القادمة.
ويقابل ذلك أن إيران غير مدركة لواقعها المرير هذا وتتحدث عن تحقيقها «النصر» في معركتها.
*كاتب إماراتي


