كان هدف رئيس الوزراء اللبناني، الذي ذهب لتمثيل بلاده في الاجتماع السنوي للأمم المتحدة، اللقاء بأكبر عددٍ من المسؤولين العرب والدوليين، وذلك لأن الأُمم المتحدة صارت منبراً للشكوى، وصار واضحاً أن الكبار ما عادت تهمهم الاجتماعات العامة بل المحادثات الثنائية. فما حضر من الكبار غير الرئيس الأميركي الذي ما جاء لساعات ليعطي للأمم المتحدة وزناً ضاع، بل ليطلب من المجتمعين أموراً لا يستطيعون أداءَها ولا يريدونها.

فقد منعت الإدارة الأميركية كلاً من الرئيسين الفلسطيني والسوداني من الحصول على التأشيرة، فشكى كلٌّ منهما عن بُعد من هذا الحرمان! صحيح أن الرئيس ترامب طلب لمجلس إدارة غزة مليارين ونيف، لكنه عاد ليصر على أهمية خروج أميركا من مجلس حقوق الإنسان، وطالب الجميع بالخروج من المحكمة الجنائية الدولية.

وعاد لتهديد إيران وليعرض عليها شروطَه للسلام. وقد اجتمع وفدان من أميركا وإيران للتشاور بوساطةٍ قطرية، وقال الأميركيون، إن الاجتماع كان جيداً جداً! وجاء الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة لكنه ما زار نيويورك بل مضى للاجتماع بالرئيس الأميركي مباشرةً ولبحث موضوعات لا يعتبرون أن للمنتدى الدولي علاقةً بها!
وممن اجتمع بهم رئيسُ الوزراء اللبناني الرئيس الإيراني بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني. ولا حرج في الاجتماع بالرئيس الإيراني لإسماعه شكوى لبنان من سلاح «حزب الله». وهو يعلم أن سياسات الميليشيات المنتشرة في البلاد العربية لا يضعها الرئيس بل «الحرس الثوري». إنما الغريب الاجتماع برئيس الوزراء الباكستاني الذي أشرفت دولته على اتفاق التفاهم بين أميركا وإيران، والذي يُعطي إيران حقّ التدخل في الملف اللبناني كجزء من الاتفاق مع الأميركان إن تمّ! وقتها احتج لبنان بشدة وفضّل أن يقوم بنفسه بالتفاوض مع إسرائيل بإشرافٍ أميركي يفترض أن لا علاقة لإيران به. 
    ولدى لبنان مشكلات أخرى مع إيران غير سلاح الحزب. فالسفير الإيراني في بيروت، والذي لم تعترف به الحكومة اللبنانية، بقي متحصناً في سفارة بلاده ببيروت وحصل على فيزا أو إقامة «مجاملة» من جانب السلطات. وهناك ملف شركة الطيران الإيرانية الممنوعة من الهبوط في مطار بيروت قبل الحظر والحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على مضيق هرمز ثم على شركات الطيران الإيرانية في جميع أنحاء العالم!
     سيذهب نواف سلام من نيويورك إلى واشنطن للاجتماع بوزير الخارجية الأميركي. ومطلبُ لبنان توسيع المناطق الاختبارية، وهو أمرٌ لن تلبيه إسرائيل قبل الانتخابات. بيد أنّ الأهمّ بالنسبة للبنان انتهاء فترة اليونيفيل التي ما استطاعت حماية الجنوب من الحزب وسلاحه وأنفاقه. وتحمس الأوروبيون لإرسال جنود محلَّ اليونيفيل، لكن كان بينهم فرنسا، والأميركان والإسرائيليون لا يقبلون مشاركةً لفرنسا.. فما العمل؟ ما وجد اللبنانيون حلاً وما نفعت الوساطات. 
 والأمر الآخر إلحاح لبنان على استمرار المفاوضات مع إسرائيل، وهو الأمر الذي لا يريده الطرفان إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل وأميركا.

ولا يستطيع لبنان الصبر، لأن الحزب المسلح يستطيع القول؛ إن المفاوضات التي تحمست لها السلطات اللبنانية فشلت بعد مضيّ سبع جولات وتوقيع اتفاقية الإطار مع إسرائيل دونما جدوى، فالاحتلال باقٍ والاعتداءات باقية بشكلٍ شبه يومي. وهكذا يقع لبنان بين تنمريْ إسرائيل والحزب المسلَّح. إسرائيل تقول لا انسحاب قبل نزع سلاح الحزب، والحزب يقول لن نسلّم السلاح إلا بعد زوال الاحتلال! هل يفيد الحديث مع بزشكيان في نزع سلاح الحزب؟ 


*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية